يُنظر إلى التهرّب الضريبي في فرنسا باعتباره من أخطر المخالفات المالية، ليس فقط لأنه يمس موارد الدولة، ولكن لأنه قد يتحول بسرعة من “نزاع جبائي” إلى متابعة جنائية إذا ثبت القصد والنية في الإخفاء أو التحايل. ولهذا تُميّز المنظومة الفرنسية بين الخطأ العادي في التصريح وبين السلوك المتعمد الذي يهدف إلى تفادي أداء الضريبة أو تقليصها بطرق غير مشروعة، وهو ما يجعل التعامل مع هذا الموضوع شديد الحساسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدخل غير مُصرّح به أو نشاط خفي أو تصريح ناقص بشكل متكرر.
في فرنسا، يتحقق التهرّب الضريبي عندما يقوم الشخص عمداً بعدم احترام الالتزامات الجبائية أو يتلاعب بالمعطيات الأساسية التي تعتمد عليها الإدارة الضريبية لتحديد قيمة الضريبة. ويشمل ذلك التأخر المتعمد عن التصريح، أو عدم التصريح من الأساس، أو إخفاء جزء من الدخل، أو إخفاء أصول وممتلكات، أو استعمال آليات تضليلية للتقليل من الأرباح والواجبات الضريبية. وفي العادة، لا تتوقف المؤشرات عند الوثائق الورقية فقط، بل تعتمد السلطات على تقاطعات عديدة للبيانات المالية والمصرفية والتجارية لاكتشاف التناقضات.
على المستوى الإداري، تفرض الإدارة الضريبية الفرنسية عقوبات مالية تُعرف بـ“الزيادات” أو “الغرامات الإضافية” عندما تسجل اختلالات في التصريح. فإذا كان الأمر يتعلق بتأخر أو نقص في التصريح دون طابع احتيالي واضح، قد تفرض زيادات تختلف حسب طبيعة المخالفة وسلوك الملزم. أما إذا اعتبرت الإدارة أن هناك إغفالاً متعمداً، فإن الزيادة قد تبلغ 40% من مبلغ الضريبة المستحقة، وهو ما يجعل الفاتورة ترتفع بسرعة، خصوصاً إذا كان الدخل المعني كبيراً أو متراكماً على أكثر من سنة.
عندما يتعلق الأمر بحالة أكثر خطورة، مثل وجود نشاط غير مُصرّح به أو إخفاء منهجي للدخل، فإن المنظومة الفرنسية تسمح بزيادات أكبر قد تصل إلى 80% في بعض الحالات المرتبطة بالتهرب أو الغش. وفي الممارسة، لا يكون الهدف فقط استرجاع الضريبة الأصلية، بل جعل العقوبة “رادعة” حتى لا يتحول التهرب إلى سلوك مربح مقارنة بالمخاطر. كما يمكن أن تُضاف فوائد التأخير عن كل فترة لم يتم فيها أداء الضريبة في وقتها، ما يعني أن العبء المالي لا يتوقف عند الغرامة بل يمتد زمنياً مع استمرار التأخير.
ولا تقتصر العقوبات في فرنسا على الجانب الإداري، إذ يمكن أن يتحول الملف إلى المسار الجنائي في حال اعتبرت الإدارة أن الأمر يرقى إلى احتيال ضريبي. وعندها، قد يتم اللجوء إلى المتابعة القضائية بعد المرور عبر مساطر خاصة، ما يفتح الباب أمام عقوبات جنائية تشمل الغرامات الثقيلة والسجن. وتُتداول في هذا الإطار عقوبات تصل إلى غرامة كبيرة وإمكانية السجن لسنوات إذا ثبتت الأفعال وتوفرت أدلة على النية الاحتيالية، خصوصاً في الملفات التي تشمل تزويراً، أو تنظيم عمليات إخفاء، أو استعمال وسائل تضليل معقدة.
وفي حال صدور حكم بالإدانة، قد تتجاوز تبعات الملف الجانب المالي والجنائي لتصل إلى آثار تمس الوضع القانوني والاجتماعي للشخص. إذ يمكن أن تُفرض عقوبات إضافية تتعلق بالحرمان من بعض الحقوق المدنية، أو تقييد إمكانية تولي مهام عمومية، أو فقدان بعض الأهلية القانونية في حالات معينة. وتزداد هذه التدابير صرامة كلما اعتُبر الفعل منظماً أو متكرراً أو ذا أثر كبير على المال العام.
ورغم صرامة النموذج الفرنسي، يبقى التمييز أساسياً بين خطأ قابل للتدارك وبين سلوك يرقى إلى التهرب. فالخطأ غير المقصود في التصريح يمكن غالباً تصحيحه عبر التصريح التكميلي أو تسوية الوضعية، بينما يصبح الملف أكثر تعقيداً عندما تُسجل الإدارة مؤشرات على التعمد أو عندما تكتشف نشاطاً مخفياً. ولهذا تُعد المبادرة إلى تسوية الوضعية، وتقديم التوضيحات قبل تصعيد النزاع، خطوة مهمة لتفادي انتقال الملف إلى مستويات أكثر كلفة وخطورة.
في النهاية، يبرز النموذج الفرنسي كإشارة واضحة إلى أن التهرب الضريبي ليس مخاطرة مالية فقط، بل مغامرة قانونية قد تضع صاحبها تحت طائلة غرامات كبيرة ومتابعات قضائية، خصوصاً في زمن تتوسع فيه آليات المراقبة وتبادل المعلومات المالية. وفي المقابل، تظل الوقاية الأفضل هي التصريح الشفاف واحترام الآجال، أو طلب المساعدة المهنية عند وجود التباس، قبل أن يتحول الأمر إلى أزمة قانونية يصعب احتواؤها.


التعاليق (0)