ولوج الأساتذة الجامعيين إلى مهنة المحاماة.. إذا عُرف السبب بطل العجب

تزامن عرض مشروع قانون مهنة المحاماة على البرلمان مع نقاش موازٍ، طرفاه أساتذة جامعيون ومحامون؛ الأول يدافع عن ولوجهم إلى مهنة المحاماة ويعتبره حقًا مشروعًا، فيما يرفض الطرف الثاني، أي المحامون، هذا الطرح.

لكن، وبعيدًا عما اعتمده هذا الطرف أو ذاك في الدفاع عن موقفه، فإن المستور الذي لم يحظَ باهتمام أحد هو: لماذا يدافع وزير العدل عن ولوج الأساتذة الجامعيين إلى مهنة المحاماة ضدًا على المحامين؟

إن أساس تبني الدولة لهذا المشروع هو، في الحقيقة، امتداد لما روّج له وزير العدل سابقًا ولم يفلح في تمريره، وهو خلق كيان جديد في الوسط المهني اسمه “محامي الدولة”، الذي سيعوَّض، حسب المستخلص، بالأساتذة الجامعيين.

ولتحقيق هذا المبتغى، يعمل الوزير جاهدًا، حتى قبل إقرار القانون، على جعل الأساتذة الجامعيين خصومًا للمحامين، لخلق فجوة وشرخ بينهما متى صاروا ممارسين للمهنة، مما سيؤدي في النهاية، من منظور الوزير، إلى خلق فئتين مختلفتين في الرؤية للشأن المهني، وذلك لاختلاف الموقع والغاية بينهما.

ولعل صفة الأساتذة الجامعيين كموظفين عموميين لم يتعودوا الحرية والاستقلالية، ستسهل مهمة الدولة في اختراق تنظيمات المحامين ممثلة في هيئاتهم المهنية.

إن الغاية من اختراق الدولة هي جعل الأساتذة الجامعيين غير مقيدين بقرارات هيئات المحامين ولا بقرارات جمعيتهم الوطنية، وهو ما يضمن للدولة استمرارية عمل المحاكم في حال قرر المحامون التوقف عن العمل. ومعلوم أن نقطة ضعف الدولة في علاقتها مع المحامين هي عدم قدرتها على إفشال دعوتهم للتوقف عن العمل الكلي، وهو ما كلفها الكثير وأجبرها على الاستجابة لكثير من مطالب المحامين، بإدخال تعديل على مواد مشروع القانون الجديد للمهنة.

إن تحريض وزير العدل للأساتذة الجامعيين على التظاهر، وما حملوه من شعارات ضد المحامين خلال وقفتهم أمام البرلمان، هو مؤشر على وجود أزمة منذ البداية مع المحامين، وهم المنتمون أصلًا إلى نقابات ذات توجه إيديولوجي عمالي. كما تؤشر استجابتهم التلقائية لدعوة وزير العدل إلى التظاهر على تأسيس مصلحة مشتركة بين الأساتذة الجامعيين ووزارة العدل المكلفة بتسيير المحاكم.

هذه المصلحة سينتج عنها تحالف غير مكتوب بين الدولة والأساتذة الجامعيين كممارسين جدد لمهنة المحاماة، والذي ستتكفل الدولة باستمراريته، باعتبارها صاحبة الفضل على الأساتذة الجامعيين في الولوج إلى مهنة المحاماة.

فهل تفلح الدولة في إيجاد حل لمشكلة توقف مرفق العدالة عن العمل من خلال دمج الأساتذة الجامعيين في مهنة المحاماة؟ أم إن ما تسعى إليه سيفشل عند أول اختبار؟

يبدو أن مجالس هيئات المحامين بالمغرب، ومعها جمعيتهم الوطنية، فهمت اللعبة، ولم تعبر عن موقف رسمي بالرفض لمقترح ولوج الأساتذة الجامعيين إلى مهنة المحاماة، الذي هو مسألة وقت، اللهم إلا إذا ظهرت حسابات جديدة تدفع الدولة إلى تغيير رغبتها في ذلك.

المؤكد أن وضعًا جديدًا ستشهده الساحة المهنية للمحامين بسبب “الوافد الجديد”، لما يستتبع ذلك من خلق فضاء مهني قد يشهد تصارع فئتين تجمعهما مهنة المحاماة، ولا تربط بينهما المصلحة المشتركة.

وهو وضع سيضمن للدولة، في أقل تقدير، استمرارية عمل مرفق العدالة بالاستعانة بالأساتذة الجامعيين، في حال قرر باقي المحامين التوقف، لأنها بالمصادقة عليه بالبرلمان تكون قد أوجدت لها محاميًا يخضع لها، ولا يتبع في الواقع العملي للمؤسسات المهنية للمحامين المحسوب انتماؤه إليها.

ويكفي الدولة هنا أن تكرس الشقاق بين الطرفين، وتوجد أسباب ما يفرق بينهما ولا يجمع.

فماذا يحمل الغد من مفاجآت لمهنة المحاماة؟

الأستاذ اليزيد كونكا

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *