عاد مطلب الزيادة في الأجور إلى واجهة الحوار الاجتماعي في ظل سياق اقتصادي يتسم بارتفاع الأسعار واستمرار الضغط على القدرة الشرائية، غير أن هذا المطلب، رغم مشروعيته، يبدو اليوم محاطا بإكراهات داخلية وضغوط خارجية تجعل تحقيقه في الأمد القريب أمرا معقدا.
وترى النقابات، التي تحمل هذا الملف إلى طاولة النقاش، أن الوضع الاجتماعي لم يعد يحتمل مزيدا من التأجيل، خاصة مع تزايد كلفة المعيشة وتآكل دخل الأسر، في حين يشير خبراء اقتصاديون إلى أن هامش استجابة الحكومة يظل محدودا، بالنظر إلى الالتزامات المالية السابقة والظرفية الاقتصادية الراهنة.
وسبق أن أقرت الحكومة زيادات مهمة في إطار اتفاق أبريل 2024، وهو ما يضعها اليوم أمام تحدي التوازن بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية والحفاظ على استقرار المالية العمومية، خاصة في ظل استمرار تداعيات التوترات الدولية، وعلى رأسها الحرب في الشرق الأوسط، التي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وفي هذا السياق، أفاد الخبير الاقتصادي محمد جدري بأن القدرة الشرائية للمواطنين تعيش تحت ضغط غير مسبوق، نتيجة موجة تضخمية واضحة المعالم، وهو ما يجعل الملف الاجتماعي في صدارة أولويات النقاش العمومي، خاصة مع تزايد الفوارق بين الدخل وتكاليف المعيشة.
ورغم ذلك، اعتبر جدري أن الحوار الاجتماعي في المغرب عرف نوعا من الانتظام خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في دورة أبريل، مبرزا أن اتفاقي 2022 و 2024 شكلا محطات إيجابية عكست رغبة الأطراف في الوصول إلى حلول توافقية تحفظ السلم الاجتماعي.
لكن بخصوص مطلب الزيادة العامة في الأجور، لفت الخبير إلى أن الظرفية الاقتصادية لسنة 2026 تختلف عن سابقاتها، إذ تتسم بتحديات عالمية متشابكة، من توترات جيوسياسية إلى تعقيدات في العلاقات الاقتصادية الدولية، وهو ما يجعل من الصعب إقدام الحكومة على إقرار زيادة جديدة في الأجور خلال نفس الولاية الانتدابية.
وشدد المتحدث على أن الحوار الاجتماعي لا ينبغي أن يختزل في الجانب المادي فقط، بل يجب أن يمتد إلى ملفات هيكلية لا تقل أهمية، مثل إصلاح صناديق التقاعد، ومراجعة مدونة الشغل، وتعزيز الحريات النقابية، فهذه القضايا، بحسبه، تشكل أساسا لأي إصلاح اجتماعي مستدام.
وأمام هذه التحديات، ترجح التوقعات أن يتم تأجيل أي قرارات جديدة بخصوص الزيادة في الأجور إلى السنة المقبلة أو ما بعدها، في حين قد تلجأ الحكومة إلى إجراءات محدودة تستهدف بعض الفئات التي لم تستفد من زيادات سابقة، في محاولة لامتصاص الاحتقان الاجتماعي دون تحميل الميزانية أعباء إضافية كبيرة.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله