تدخل الحرب على إيران مرحلة شديدة التعقيد، حيث تتداخل مؤشرات الضغط العسكري مع محاولات دبلوماسية لم تنضج بعد، في وقت ما تزال فيه ساحات الاشتباك مفتوحة، خاصة في مضيق هرمز الذي تحول إلى مركز ثقل الصراع. وتشير المعطيات الأحدث إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية الإيرانية، بما في ذلك منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، لكن هذا التقدم لم يتحول إلى حسم نهائي، لأن إيران ما تزال تحتفظ بقدرات هجومية تمكّنها من مواصلة الرد وإطالة أمد الحرب.
تفوق عسكري بلا نهاية واضحة
الضربات المتواصلة أضعفت جزءًا مهمًا من القدرات الإيرانية، غير أن الحرب لم تنتقل إلى مرحلة ما بعد الحسم، بل إلى مرحلة استنزاف مفتوحة. هذا الواقع يفسر لماذا تبدو العمليات العسكرية مؤثرة من حيث التدمير، لكنها غير كافية لإنتاج نهاية سياسية أو ميدانية سريعة. فحتى مع تراجع بعض القدرات الصناعية والعسكرية الإيرانية، لا يزال بإمكان طهران استخدام أدوات ضغط فعالة، من بينها الصواريخ والمسيّرات والتهديد المستمر للملاحة والطاقة. ومن ثم، فإن ميزان القوة الحالي يميل ميدانيًا ضد إيران، لكنه لا يضمن إنهاء الحرب قريبًا.
هرمز ما يزال أخطر نقطة في المشهد
يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في تقييم ما إذا كانت الحرب تتجه إلى تهدئة أم إلى تصعيد أكبر. فإيران أعلنت أنها تسمح بمرور السفن “غير المعادية” فقط، بينما لا تزال حركة الملاحة مضطربة ومحدودة، مع استمرار تأثير ذلك على نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية التي تمر عادة عبر المضيق. هذا الوضع لا يعني إغلاقًا كاملًا، لكنه يعني أن المضيق ما يزال يعمل تحت منطق الحرب والفرز السياسي، وهو ما يكفي لإبقاء الأسواق في حالة توتر دائم. كما أن بقاء هرمز في هذه الحالة الهشة يترك الباب مفتوحًا أمام تصعيد سريع إذا قررت أي جهة تغيير قواعد الاشتباك في البحر.
الدبلوماسية موجودة… لكنها لم تتحول إلى اختراق
على المستوى السياسي، لا توجد مؤشرات على اتفاق قريب ينهي الحرب. فالتقارير الأخيرة تتحدث عن ضغوط أمريكية باتجاه جهود سلام، تقابلها في طهران سياسة “لا مفاوضات” بالشروط الحالية. هذا يعني أن الاتصالات، إن وجدت، لا تزال في مرحلة الجس النبضي، ولم تصل إلى مستوى يسمح بالحديث عن مسار تسوية فعلي. لذلك، فإن الحديث عن اقتراب النهاية يبدو سابقًا لأوانه، لأن الحرب ما تزال تفتقد إلى الشرطين الحاسمين لإنهائها: حسم ميداني كامل أو تسوية سياسية مقبولة من الطرفين.
خطر التوسع إلى جبهات إضافية
من العوامل التي تجعل سيناريو التصعيد الأكبر أكثر حضورًا هو التهديد الإيراني بتوسيع الضغط البحري إلى ممرات أخرى، وعلى رأسها باب المندب. هذا التهديد، حتى لو بقي في إطار الردع السياسي، يكشف أن الحرب لم تعد محصورة في الداخل الإيراني أو في نطاق الخليج فقط، بل يمكن أن تمتد إلى طرق تجارة عالمية أخرى إذا استمرت الضغوط العسكرية. وكلما اتسعت الجغرافيا البحرية للصراع، أصبحت كلفة الحرب أعلى، وأصبح احتواؤها أصعب.
العامل الإنساني والاقتصادي يضغط باتجاه التهدئة
في موازاة ذلك، تتزايد الكلفة الإنسانية والاقتصادية للحرب. فالأمم المتحدة تتحدث عن ملايين النازحين داخل إيران ولبنان، وعن نقص حاد في التمويل الإنساني، بينما تواصل الأسواق العالمية التفاعل مع استمرار الأزمة عبر ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وتراجع الثقة في عدد من الأسواق. هذا الثقل الإنساني والاقتصادي قد يدفع الأطراف، أو بعض الوسطاء، إلى محاولة فرض مخرج سياسي في مرحلة لاحقة، لكنه حتى الآن لم يتحول إلى قوة كافية لوقف الحرب.
هل اقتربت النهاية أم يقترب التصعيد؟
القراءة الأرجح في هذه المرحلة هي أن الحرب لم تقترب بعد من نهايتها الحقيقية، لكنها أيضًا لم تعد في بداياتها. هي الآن في مرحلة وسطى عنوانها الاستنزاف الطويل، حيث تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل تعظيم أثر الضغط العسكري، بينما تحاول إيران منع هذا الضغط من التحول إلى نصر كامل عبر إبقاء أوراق هرمز والطاقة والردع البحري حية. لذلك، فإن الأيام المقبلة قد تتجه في أحد مسارين: إما تصعيد إضافي في المضائق البحرية إذا تعثرت محاولات الاحتواء، أو انتقال بطيء إلى مسار تفاوضي إذا أصبحت كلفة الحرب أعلى من مكاسبها لدى جميع الأطراف. وحتى الآن، تبدو فرضية التصعيد المحدود المستمر أقرب من فرضية النهاية القريبة.
خلاصة المشهد
الحرب على إيران لم تصل إلى نقطة الحسم، لكنها دخلت مرحلة أخطر من مجرد تبادل الضربات. إنها الآن معركة على الزمن، وعلى القدرة على الصمود، وعلى من يملك التأثير الأكبر في المضائق والطاقة والأسواق. ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: من يتفوق عسكريًا؟ بل أيضًا: من يستطيع تحمّل حرب أطول من دون أن يخسر موقعه السياسي والاقتصادي؟ وحتى تتضح الإجابة، سيبقى المشهد مفتوحًا على تصعيد أكبر بقدر ما هو مفتوح على تهدئة مؤجلة.


التعاليق (0)