يبدو أن العمل جارٍ على قدم وساق لبروز نظام عالمي جديد يقطع تماماً مع ما يُسمى “المشاركة الشعبية” في اتخاذ القرارات المصيرية التي تهم الأوطان. والمغرب، الذي ظل تاريخياً محط تجارب عديدة للمؤسسات الدولية، لا يخرج عن هذا النطاق؛ حيث يتبدى ذلك في تسلط الحكومة وانفرادها بالقرار، تماشياً مع ما تمليه الشركات عابرة القارات، التي لا تعدو كونها أداة لتكريس هذا النظام العالمي الجديد.
إن ما يشهده المغرب اليوم من هيمنة للنخبة الاقتصادية — التي تمثلها حكومة لم يعد يعنيها الشيء الكثير من هموم الشعب ومشاكله — يعطي مؤشراً قوياً على أن بعض أعراض النظام العالمي الجديد، كما يتصوره الكثير من المهتمين والمتابعين لتغيرات عالم اليوم، قد بدأت بالفعل. ويتجلى ذلك في تقويض القوة الممنوحة للمواطنين، وجعل الحكومة صاحبة السلطة المطلقة في اتخاذ القرار، بما في ذلك القرار التشريعي الذي بات يُفصَّل لخدمة مصلحة فئة قليلة، أو ما يُطلق عليها “النخبة الاقتصادية”.
وقد ذهبت الحكومة أبعد من ذلك في تهميش المواطنين عبر إقصائهم الممنهج من صناعة القرار، وأضحت تتعامل معهم بنوع من التوجيه والتلاعب، ملجأً إلى تقنية إظهار “المشاركة الشكلية” التي تُصنف — إسقاطاً على “سلم شيري أرنشتاين للمشاركة المدنية 1969” — في خانة “لا-مشاركة”. وتعتمد الحكومة في ذلك على تكتيكات “العلاج والتلاعب” لامتصاص الغضب الشعبي (ولعل النقاش الدائر حول إلغاء الساعة الإضافية كمثال).
والثابت أن آخر معارك الحكومة لتكريس هذه الهيمنة في اتخاذ القرار، وحشر المواطنين في زاوية ضيقة مع تعليق ملف حقوق المواطنة، وتغليب جانب الإلزامية والواجب على حساب الحقوق، هو التنزيل الأخير لمشروع قانون مهنة المحاماة بالصيغة التي تريدها السلطة الإجرائية، ضداً على ثوابت مهنة المقاومة والرسالة الحقوقية للمحاماة، وما تعنيه كحصن منيع لحماية المواطنين من جبروت السلطة وتغولها؛ وكل ذلك للوصول إلى حالة إقصاء تامة للمواطنين من المشاركة في تقرير مصير وطن تتآكل سيادته رويداً رويداً.
فهل يتحقق مراد الحكومة ومعها اللوبي الاقتصادي العالمي، ويندثر مع هذا التغول مفهوم المواطنة كما صاغه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتواضعت عليه المواثيق والاتفاقيات الدولية؟
الأستاذ: اليزيد كونكا

