نجاح بلا أجانب: المدرسة الإفريقية تقود كبار القارة وتعيد المدرب الوطني إلى الواجهة في كأس إفريقيا بالمغرب

أكادير الرياضي

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

مع بلوغ بطولة كأس إفريقيا للأمم، المنظمة بالمغرب، مراحلها الحاسمة، يبرز معطى لافت لا يمكن تجاهله: المنتخبات الأربعة التي واصلت المشوار نحو الأدوار النهائية هي المغرب ونيجيريا ومصر والسنغال، وجميعها تقودها مدارس تدريبية إفريقية خالصة، حيث يشرف على كل منتخب مدرب وطني ينتمي إلى نفس البلد او القارة الإفريقية . هذا المعطى يعيد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا متجددًا حول مكانة المدرب الإفريقي وقدرته على المنافسة في أعلى المستويات.
على مدى سنوات، راهنت العديد من الاتحادات الإفريقية على المدرب الأجنبي، خصوصًا الأوروبي، بدعوى امتلاكه خبرة تكتيكية أكبر وقدرة أفضل على إدارة الضغوط. غير أن ما يحدث في نسخة المغرب يمثل مؤشرًا واضحًا على تحول عميق في فلسفة التسيير الفني داخل القارة. فالنجاح الذي تحققه هذه المنتخبات لم يأتِ صدفة، بل هو ثمرة تراكم خبرات محلية، وفهم عميق للخصوصيات الثقافية والنفسية للاعب الإفريقي.
المنتخب المغربي، على سبيل المثال، يستفيد من مشروع كروي متكامل، حيث يلعب المدرب الوطني دورًا محوريًا في الربط بين التكوين القاعدي والمنتخب الأول، مع اعتماد هوية لعب واضحة ومتوازنة بين الصلابة التكتيكية والمرونة الهجومية. أما السنغال، فقد واصلت نهج الاستقرار الفني، مستثمرة في مدرب يعرف جيدًا عقلية اللاعب السنغالي وكيفية توظيف النجوم المحترفين في أوروبا داخل منظومة جماعية منضبطة.
في المقابل، تقدم مصر ونيجيريا نموذجين مختلفين لكن متكاملين، حيث يجمع المدرب الوطني بين الخبرة القارية الطويلة والقدرة على التعامل مع جماهير متطلبة وضغط إعلامي كبير. هذا القرب من البيئة المحلية يمنح المدرب أفضلية في إدارة اللحظات الصعبة، واتخاذ قرارات سريعة تتماشى مع السياق العام للمنتخب.
الأهم من ذلك أن هذه النجاحات تعكس تطورًا ملحوظًا في التكوين الأكاديمي للمدربين الأفارقة، الذين أصبحوا أكثر انفتاحًا على المناهج الحديثة في التدريب والتحليل، دون التفريط في الخصوصية الإفريقية التي تميز أسلوب اللعب والقيادة. لقد تجاوز المدرب الإفريقي مرحلة التقليد، وأصبح فاعلًا ومبتكرًا داخل الملعب وخارجه.
في المحصلة، تؤكد بطولة كأس إفريقيا بالمغرب أن الرهان على المدرب الوطني ليس خيارًا عاطفيًا أو اضطراريًا، بل خيار استراتيجي ناجح عندما يقترن بالتخطيط والاستمرارية والدعم المؤسساتي. وقد تكون هذه النسخة نقطة تحول حاسمة تدفع باقي الاتحادات الإفريقية إلى إعادة النظر في سياساتها الفنية، ومنح الثقة للكفاءات المحلية القادرة على قيادة الكرة الإفريقية نحو آفاق أكثر استقلالية ونضجًا.