ملاحظة توثيقية: أُنجزت هذه المادة بالاعتماد على الموقع الرسمي القديم للمهرجان المحفوظ في أرشيف الإنترنت، وبلاغات جماعة تيزنيت والمجلس الإقليمي والبوابة الرسمية للمملكة، إضافة إلى تقارير صحفية متقاطعة. وحتى وقت إعداد المقال يوم 15 يوليوز 2026، لم يكن قد صدر تقرير رسمي موثق عن حفل افتتاح الدورة الرابعة عشرة أو عن تحفتها الفضية، لذلك تقتصر فقرة دورة 2026 على البرنامج المعلن والمؤكد.
في صيف سنة 2010، لم تكن مدينة تيزنيت بصدد إضافة مهرجان موسيقي جديد إلى لائحة التظاهرات الصيفية، بل كانت تحاول تحويل واحدة من أقدم حرفها وأكثرها ارتباطاً بهويتها إلى مشروع ثقافي واقتصادي متكامل.
كانت الفضة حاضرة قبل المهرجان بوقت طويل في قيساريات المدينة وأسواقها وبيوت صاغتها. وحملت الحلي التي صنعت في تيزنيت وظائف اجتماعية وجمالية ورمزية، من «تازرزيت» التي تثبت بها المرأة لباسها، إلى الخنجر الفضي والحزام والقلائد والأساور وغيرها من القطع التي رافقت الأعراس والمناسبات والطقوس المحلية.
وتعود خصوصية الصياغة التيزنيتية إلى تراكم تقنيات متعددة، من بينها السلك الفضي والطلاء الزجاجي والترخام والنقش والترصيع، وهي مهارات تناقلتها أجيال من الصناع المسلمين واليهود الذين عاشوا بالمدينة ومحيطها وأسهموا في صناعة شخصيتها الحرفية.
من هذا العمق خرج مهرجان «تيميزار»، لا باعتباره احتفالاً بالمعدن وحده، وإنما باعتباره محاولة لوضع الصانع التقليدي في قلب مشروع تنموي، وتحويل الحلي من بضاعة معروضة في المحلات إلى عنوان لهوية مدينة كاملة.
ما قبل الدورة الأولى.. مشروع بدأ قبل سنة 2010
تكشف الصفحة التاريخية المحفوظة في الموقع الرسمي القديم للمهرجان أن أول خطوة مؤسساتية تعود إلى 23 ماي 2005، عندما صادق المجلس البلدي لتيزنيت على مبدأ تنظيم مهرجان اقتصادي وسياحي ينسجم مع مؤهلات المدينة.
كما كانت فكرة مهرجان الفضة ضمن المقترحات التي تبلورت في فضاءات التشاور المحلية والمنتدى السنوي للجمعيات، الذي اشتغل على مشاريع مرتبطة بالثقافة والهوية والتنمية المحلية.
وبقي المشروع يتطور داخل النقاش البلدي والمدني إلى أن صودق، خلال دورة استثنائية انعقدت في 8 يونيو 2010، على اتفاقية شراكة لتنظيم مهرجان الفضة.
وهكذا، لم تكن دورة 2010 بداية الفكرة، بل كانت لحظة خروج مشروع استغرق سنوات من التفكير والتحضير إلى فضاء المدينة والجمهور.
ومنذ البداية، اختير للمهرجان شعار ظل ملازماً له عبر مختلف نسخه: «الصياغة الفضية.. هوية، إبداع وتنمية».
كان الشعار يختزل ثلاثة رهانات: حماية هوية المدينة، وتشجيع الإبداع داخل حرفة مهددة بالتراجع، وتحويل الفضة إلى رافعة للاقتصاد والسياحة والتسويق الترابي.
الدورة الأولى سنة 2010.. ولادة مهرجان من قلب ساحة المشور
انطلقت الدورة الأولى لمهرجان الفضة يوم 5 غشت 2010، واستمرت، وفق الأرشيف الرسمي القديم، إلى غاية 8 غشت، لتصبح أول ترجمة عملية للمشروع الذي سبق الإعداد له.
واحتضنت ساحة المشور معرض المصوغات وورشات وأروقة المنتوجات الفضية، في أول اختبار لقدرة المدينة على جمع الصناع والتجار والباحثين والفنانين حول تظاهرة واحدة. وتؤكد تغطية محلية نُشرت يوم الافتتاح أن فعاليات المهرجان بدأت فعلاً يوم 5 غشت 2010 من ساحة المشور.
لم يقتصر برنامج الدورة على بيع الحلي، بل جمع معرض الفضة والورشات الحرفية مع الندوات العلمية وعروض الأزياء والحلي والفنون الشعبية والتبوريدة.
وشكلت الندوات منذ الدورة الأولى عنصراً أساسياً في بناء هوية المهرجان؛ إذ نوقشت الحلي من زوايا تاريخية وأنثروبولوجية واجتماعية، وحضر موضوع «تازرزيت» ودلالاتها، وعلاقة الفضة بفنون أحواش، والوظائف التي أدتها الحلي داخل المجتمع التقليدي.
وكان ذلك مؤشراً مبكراً على أن «تيميزار» يريد التفكير في الفضة، لا الاكتفاء بعرضها.
الدورة الثانية سنة 2011.. اختبار الاستمرار
نُظمت الدورة الثانية بين 25 و27 يوليوز 2011، في مرحلة كان فيها التحدي الأساسي هو إثبات أن النسخة الأولى لم تكن حدثاً عابراً.
وحافظت الدورة على الشعار المؤسس، وأعيد تنظيم معرض المصوغات والورشات الحرفية، إلى جانب عروض الفروسية والفنون الشعبية.
وبحسب الأرشيف الرسمي القديم، جاءت نسخة 2011 في سياق واجه فيه المهنيون صعوبات مرتبطة بندرة المادة الأولية وارتفاع أسعارها، ما جعل المهرجان فضاءً لطرح مشكلات الحرفة، وليس للاحتفال بها فقط.
وقد ساعد استمرار الموعد للسنة الثانية على تثبيت اسم «تيميزار» في الأجندة الصيفية لتيزنيت، وفتح النقاش حول ضرورة إيجاد إطار مؤسساتي قادر على ضمان استدامته.
الدورة الثالثة سنة 2012.. انتقال التنظيم إلى مرحلة جديدة
أقيمت الدورة الثالثة من 25 إلى 28 غشت 2012، وشكلت منعطفاً تنظيمياً، بعدما أصبحت جمعية تيميزار لمهرجان الفضة شريكاً مركزياً في حمل المشروع إلى جانب المجلس البلدي والمؤسسات الداعمة.
وتوسعت شبكة الشركاء لتشمل قطاعات حكومية ومجالس منتخبة ومؤسسات مرتبطة بالصناعة التقليدية والثقافة، كما نُظمت ندوة صحفية بالدار البيضاء للتعريف بالمهرجان وبرنامجه، في خطوة تعكس بداية البحث عن إشعاع يتجاوز الإطار المحلي.
وافتتحت النسخة بمعرض الحلي الفضية في ساحة المشور، إلى جانب عروض أحواش وكناوة والفروسية والتبوريدة، وورشات الصياغة والسهرات الفنية.
كما احتضنت الخزانة الوسائطية محمد المختار السوسي لقاءً علمياً حول الأبعاد الرمزية للحلي الفضية، فيما شهدت قصبة أغناج تشخيصاً للعرس التقليدي التيزنيتي، من الخطوبة إلى الزفاف.
وكان إدخال العرس التقليدي وعرض الأزياء والحلي إلى برنامج المهرجان مهماً، لأنه أعاد القطع الفضية إلى سياقها الاجتماعي الأصلي، بدلاً من تقديمها كمنتجات معزولة داخل واجهات العرض.
الدورة الرابعة سنة 2013.. أول انفتاح دولي واضح
نُظمت الدورة الرابعة بين 20 و24 غشت 2013، واستمرت في الجمع بين معرض المجوهرات والورشات والندوات والتبوريدة وعروض الأزياء والسهرات الفنية.
ووفق التقرير المحفوظ في الموقع الرسمي القديم، ضم معرض ساحة المشور 50 رواقاً، بمشاركة عارضين من المغرب وفرنسا وتركيا والنيجر.
كانت هذه المشاركة الخارجية من أولى الإشارات الملموسة إلى رغبة المهرجان في التحول من موعد محلي إلى صالون يربط الصناع التيزنيتيين بتجارب دولية.
كما شهدت الدورة تقديم خنجر فضي ضخم أبدعته أنامل محلية. وقد وصفته تقارير المنظمين حينها بأنه الأكبر في العالم، لكن لا تتوفر وثيقة مستقلة تثبت تسجيله رقماً قياسياً رسمياً، لذلك الأدق وصفه بالخنجر الفضي العملاق أو تحفة الدورة الرابعة.
ومن هذه النسخة بدأت تتضح واحدة من أشهر تقاليد «تيميزار»: الكشف في حفل الافتتاح عن تحفة كبيرة تستلهم قطعة من التراث المحلي وتنجز بتقنيات الصياغة الفضية.
الدورة الخامسة سنة 2014.. القفطان يدخل ذاكرة الفضة
افتتحت الدورة الخامسة يوم 18 غشت 2014، واستمرت إلى 22 منه، وسط حضور رسمي ومعرض للمصوغات وإنتاجات الصناع التقليديين.
وكانت مفاجأة النسخة قفطاناً أمازيغياً مزيناً بالفضة والأحجار، جمع بين الخياطة وتصميم الأزياء ومهارة الصاغة.
وقدمت تقارير تلك الفترة القفطان باعتباره مرصعاً بأكثر من كيلوغرامين من الفضة، وأنجز بتعاون بين مصمم وصناع محليين، في تجربة هدفت إلى إدخال الحلي التيزنيتية في تصميم أزياء معاصرة.
وحملت الفكرة دلالة جديدة: لم تعد الفضة مرتبطة فقط بإعادة إنتاج القطع القديمة، بل أصبحت قابلة للاندماج في الموضة والتصميم الحديث.
وبذلك بدأت دورة 2014 ترسخ الإبداع بوصفه ضلعاً عملياً في شعار المهرجان، وليس مجرد كلمة مرافقة له.
الدورة السادسة سنة 2015.. «تازرزيت» بحجم استثنائي
امتدت الدورة السادسة من 13 إلى 17 غشت 2015، واستهلت بعرض «خلالة» أو «تازرزيت» عملاقة، قدمها المنظمون باعتبارها الأكبر من نوعها.
بلغ وزن التحفة نحو 8.5 كيلوغرامات من الفضة، وتجاوز طولها مترين، فيما بلغ عرضها قرابة متر ونصف، واستغرق إنجازها سبعة أشهر بمساهمة عدد من الصناع.
وكان اختيار «تازرزيت» ذا رمزية قوية؛ فهذه الحلية تعد من أبرز العلامات البصرية المرتبطة بلباس المرأة الأمازيغية، كما أصبحت رمزاً واسع التداول لتيزنيت وصياغتها.
وشمل برنامج الدورة معرضاً للمجوهرات وورشات في تقنيات الصياغة وندوات وعروضاً فنية وأزياء، كما ظهرت مبادرات موازية تسعى إلى توسيع فضاء المهرجان وربطه بالرياضة والسياحة، من بينها جولة للدراجات حملت اسم الفضة.
الدورة السابعة سنة 2016.. باب فضي يروي معمار تيزنيت
أقيمت النسخة السابعة من 28 يوليوز إلى فاتح غشت 2016، وفق البلاغ الختامي الصادر عن إدارة المهرجان. وكانت بعض الإعلانات الأولية قد أشارت إلى 2 غشت، لكن البلاغ الصادر بعد انتهاء الدورة حدد فاتح غشت تاريخاً للاختتام، وهو التاريخ الأرجح.
واختار المنظمون هذه المرة الانتقال من الحلي واللباس إلى المعمار، من خلال عرض باب ضخم مرصع بالفضة، في إحالة إلى أبواب تيزنيت التاريخية وسورها.
بلغ طول الباب نحو مترين وعرضه متراً واحداً، واستعمل في تزيينه أكثر من خمسة كيلوغرامات من الفضة، بعد عمل استمر أشهراً وشارك فيه حرفيون في النجارة والصياغة.
كان الباب أكثر من تحفة للعرض؛ فقد مثّل بداية اتجاه يجعل المهرجان يستلهم ذاكرة المدينة العمرانية، بعدما ركزت النسخ السابقة على الحلي واللباس.
وبهذا تحول «تيميزار» تدريجياً إلى معرض لذاكرة تيزنيت كلها، وليس للصياغة وحدها.
الدورة الثامنة سنة 2017.. مفتاح «باب الفضة»
انطلقت الدورة الثامنة يوم 21 يوليوز 2017 واستمرت إلى 25 منه، تحت الشعار نفسه الذي رافق المهرجان منذ بداياته.
وكشفت النسخة عن مفتاح فضي ضخم أطلق عليه اسم «مفتاح باب الفضة»، بلغ طوله نحو متر و20 سنتيمتراً، وعرضه حوالي 35 سنتيمتراً، وناهز وزنه ثلاثة كيلوغرامات من الفضة الخالصة.
جاء المفتاح امتداداً منطقياً لباب الدورة السابقة، وكأن المهرجان كان يبني خلال عامين متتاليين قصة بصرية مترابطة: باب المدينة أولاً، ثم مفتاحه.
كما اتسمت دورة 2017 بحضور إفريقي واضح، وبمشاركة عارضين وتجارب من خارج المغرب، إلى جانب معارض الصناعة التقليدية وورشات لفائدة الصاغة وندوات علمية وعروض أزياء وفقرات رياضية وفنية.
وفي الفترة نفسها، تعززت البنية المخصصة للصناعة التقليدية في المدينة بافتتاح مركب يضم محلات وفضاءات لعرض المنتوجات، ما يعكس محاولة ربط المهرجان باستثمارات دائمة تخدم الحرفيين خارج أيام التظاهرة.
الدورة التاسعة سنة 2018.. «تاونزا» تتوج المهرجان
أقيمت الدورة التاسعة من 19 إلى 23 يوليوز 2018، بمشاركة شركاء مؤسساتيين من قطاعات الصناعة التقليدية والمجالس المنتخبة وغرفة الصناعة التقليدية.
وكانت مفاجأتها تاجاً فضياً أمازيغياً يحمل اسم «تاونزا»، استغرق إنجازه قرابة شهر، وزُين بالفضة والأحجار.
ومثّل «تاونزا» عودة إلى الحلي النسوية بعد الباب والمفتاح، لكنه حمل في الوقت نفسه دلالة الاحتفاء بمكانة المرأة داخل الثقافة المحلية، وبالتاج بوصفه رمزاً للجمال والوجاهة والاحتفال.
كما احتضنت الدورة لقاءات علمية حول واقع الصياغة الفضية، ومعارض للحلي والمنتجات الحرفية، إلى جانب البرنامج الفني وعروض الفروسية.
وبالوصول إلى النسخة التاسعة، كان المهرجان قد رسخ معظم مكوناته الثابتة: معرض دولي، معرض للصناعة التقليدية، ورشات، ندوات، تكريم الصناع، تحفة فضية، تظاهرات تراثية وسهرات فنية.
الدورة العاشرة سنة 2019.. نهاية العقد الأول
نُظمت الدورة العاشرة من 18 إلى 22 يوليوز 2019، في احتفاء بمرور عشر نسخ متتالية على تأسيس المهرجان.
وكانت مفاجأتها حزاماً فضياً ضخماً يعرف بالأمازيغية باسم «تاكست ن النقرة»، بلغ طوله متراً و25 سنتيمتراً، وعرضه 22 سنتيمتراً، ووزنه ثلاثة كيلوغرامات من الفضة الخالصة.
واستغرق إنجازه شهرين، واستعملت فيه تقنيات السلك الفضي والطلاء الزجاجي والترصيع، كما زين بقطع نقدية مغربية قديمة.
وعرفت النسخة مشاركة عارضين وخبراء من دول عدة، من بينها فرنسا وإيطاليا والهند وتونس والجزائر والسنغال، ما أكد اتساع البعد الدولي للمهرجان.
كما تميزت الدورة بتقديم كتاب يجمع خلاصات الندوات الثقافية والعلمية التي نظمت خلال النسخ السابقة، في محاولة لتحويل التراكم الشفهي والمؤقت للمهرجان إلى ذاكرة مكتوبة يمكن الرجوع إليها.
كانت الدورة العاشرة بمثابة نهاية الفصل الأول من قصة «تيميزار»: عشر سنوات متتالية بنت اسمه، ورسخت معارضه، وخلقت تقليد التحف الفضية، قبل أن يتوقف كل شيء بشكل لم يكن متوقعاً.
2020 و2021 و2022.. ثلاث سنوات بلا مهرجان
لم تُنظم دورات للمهرجان خلال سنوات 2020 و2021 و2022، بسبب الظروف التي فرضتها جائحة كورونا والقيود المرتبطة بالتجمعات والتظاهرات الكبرى.
وبذلك انقطعت سلسلة الدورات المتتالية التي بدأت سنة 2010، وظلت النسخة العاشرة لسنة 2019 آخر دورة قبل التوقف.
وصرح مسؤولو جمعية تيميزار لاحقاً بأن الغياب الذي دام ثلاث سنوات ترك أثراً على الحركة الثقافية والتجارية بالمدينة، بالنظر إلى ارتباط المهرجان بالعرض والتسويق واستقبال الزوار وتنشيط عدد من الأنشطة.
غير أن التوقف لم يؤد إلى إنهاء المشروع، بل تحول إلى مرحلة فاصلة بين عقد أول من التأسيس ومرحلة جديدة بدأت سنة 2023.
الدورة الحادية عشرة سنة 2023.. العودة بالرباب الفضي
عاد مهرجان تيميزار من جديد بين 23 و28 غشت 2023، بعد انقطاع دام ثلاث سنوات بسبب الجائحة.
واختار المنظمون للعودة تحفة ذات بعد فني وموسيقي، تمثلت في رباب مرصع بالفضة يحمله مجسم للرايس الحاج بلعيد، أحد أبرز رموز الأغنية الأمازيغية.
بلغ طول الرباب نحو 70 سنتيمتراً وعرضه قرابة 20 سنتيمتراً، وأنجز باستعمال تقنيات مختلفة في صياغة الفضة.
كما عرف معرض الفضة والمجوهرات بساحة المشور مشاركة أكثر من 50 عارضاً من المغرب وخارجه، إلى جانب معرض موازٍ للصناعة التقليدية والمنتجات المجالية.
واحتوى البرنامج على ورشات تبرز تقنيات النقش والطلاء الزجاجي والسلك الفضي والتخرام، وندوة حول الصياغة الفضية بوصفها حاملاً للهوية الوطنية، وعروض للتبوريدة والأزياء والحلي والفنون.
لم تكن نسخة 2023 مجرد استئناف للبرنامج السابق، بل كانت إعلاناً بأن المهرجان تمكن من تجاوز أصعب توقف في تاريخه.
الدورة الثانية عشرة سنة 2024.. سور تيزنيت يتحول إلى فضة
نُظمت الدورة الثانية عشرة من 24 إلى 29 يوليوز 2024، وافتتحت بمعرض الحلي والمجوهرات بساحة المشور ومعرض للصناعة التقليدية والمنتجات المجالية بساحة الأمير مولاي عبد الله.
وعرف معرض الفضة مشاركة أزيد من 50 عارضاً، قدموا من المغرب ومن دول من بينها الهند وإيطاليا والنيجر والسنغال وفرنسا.
أما مفاجأة الدورة فكانت مجسماً لسور المدينة العتيقة، بأبوابه التاريخية المصنوعة من الفضة.
بلغ محيط المجسم نحو ستة أمتار ونصف، وضم سبعة أبواب وأربعة أبراج، بينما ناهز وزن الفضة المستعملة في أبوابه خمسة كيلوغرامات. واستغرق إنجازه أكثر من أربعة أشهر ونصف بمشاركة صناع محليين.
كان اختيار السور خطوة متقدمة في العلاقة بين المهرجان والذاكرة العمرانية؛ فبعد الباب والمفتاح، جاءت صورة المدينة كاملة تقريباً، بأسوارها وأبراجها ومداخلها.
كما عرفت الدورة تنظيم عرض للأزياء والحلي، والتبوريدة، وبرامج فنية، وندوة حول تاريخ صناعة الحلي في الجنوب المغربي.
الدورة الثالثة عشرة سنة 2025.. أول دورة تحت الرعاية الملكية
امتدت الدورة الثالثة عشرة من 15 إلى 20 يوليوز 2025، وحملت تحولاً رمزياً ومؤسساتياً بالغ الأهمية، إذ كانت، وفق الموقع الرسمي لجماعة تيزنيت، أول دورة تنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.
ونظمت النسخة تحت شعارها المعتاد، ببرنامج ضم المعارض والندوات العلمية وورشات التكوين والعروض الفنية، مع حضور عارضين وشخصيات من المغرب وخارجه.
واحتضنت ساحة المشور معرضاً دولياً للحلي والمجوهرات بمشاركة أزيد من 50 عارضاً من المغرب وفرنسا وإيطاليا والهند والسنغال وماليزيا.
أما تحفة الدورة فكانت بلغة محلية تقليدية من الفضة عرفت باسم «إيدوكان»، مرصعة بالأحجار والزخارف.
وبحسب جماعة تيزنيت، استعمل في التحفة نحو 2.3 كيلوغرام من الفضة، وكانت من إنجاز المعلم أحمد الكرش. كما شهد الافتتاح تكريم المعلم الفنان بوجمعة رحو، أحد رموز الصناعة التقليدية بالإقليم.
وتميزت نسخة 2025 أيضاً بإطلاق جائزة للصانع التقليدي المبدع ضمن برنامج عمل الجماعة، وهو ما عكس اتجاهاً نحو تحويل التنافس والإبداع إلى آلية منتظمة لتطوير المنتج الحرفي، لا مجرد فقرة احتفالية.
وبدخول الرعاية الملكية، انتقل المهرجان إلى مستوى جديد من الاعتراف، بعد مسار امتد من مبادرة محلية إلى تظاهرة ذات حضور وطني ودولي.
الدورة الرابعة عشرة سنة 2026.. فصل جديد يبدأ اليوم
تُقام الدورة الرابعة عشرة من مهرجان تيميزار بين 15 و20 يوليوز 2026، تحت الرعاية الملكية السامية، وبالشعار الدائم: «الصياغة الفضية.. هوية، إبداع وتنمية».
ويتضمن البرنامج المعلن معارض متخصصة في الصياغة التقليدية، وندوات علمية حول آفاق الحرف والابتكار، وورشات تكوينية، إلى جانب أنشطة ثقافية وفنية.
أما السهرات الفنية، فتقام خلال أيام 16 و17 و18 يوليوز بساحة الاستقبال، بمشاركة فنانين يمثلون أنماطاً مختلفة، من الأغنية الأمازيغية والشعبية إلى الراب والموسيقى الشبابية، ومن أبرز الأسماء المعلنة فاطمة تبعمرانت، ومسلم، ومجموعة مازاغان، وعبد الله الداودي، وحاتم إدار.
ويستمر تنظيم النسخة بشراكة بين جمعية تيميزار والمؤسسات الحكومية والمجالس المنتخبة ودار الصانع، ضمن تصور يقدم المهرجان كموعد لدعم الصناعة التقليدية وتعزيز الدينامية الثقافية والسياحية للمدينة.
لكن حتى وقت إعداد هذه المادة يوم 15 يوليوز 2026، لم أعثر على تقرير رسمي موثق يحدد تحفة الدورة الرابعة عشرة أو ما كُشف عنه خلال حفل افتتاحها.
لذلك لا يمكنني تأكيد «مفاجأة دورة 2026» في الوقت الحالي، وأي صورة أو معلومة متداولة بشأنها ينبغي انتظار تأكيدها من الجمعية المنظمة أو جماعة تيزنيت أو مؤسسة رسمية مشاركة.
ذاكرة التحف الفضية.. قصة موازية للمهرجان
على امتداد دوراته، صنع «تيميزار» لنفسه خطاً بصرياً أصبح جزءاً من هوية المهرجان.
فبعد الخنجر الفضي، جاء القفطان المرصع بالفضة، ثم «تازرزيت» العملاقة، والباب الذي استلهم أبواب المدينة، ومفتاح «باب الفضة»، وتاج «تاونزا»، وحزام «تاكست ن النقرة».
وبعد العودة من توقف الجائحة، أضيف الرباب الفضي المرتبط بالرايس الحاج بلعيد، ثم مجسم سور تيزنيت، فالبلغة المحلية «إيدوكان».
هذه التحف لا ينبغي النظر إليها كقطع للفرجة فقط؛ فهي تشكل أرشيفاً مادياً يروي كيف حاول المهرجان تحويل رموز الحياة اليومية واللباس والمعمار والموسيقى إلى أعمال جماعية يشارك في إنجازها صاغة ونجارون ومصممون وحرفيون.
غير أن أوصاف «الأكبر في العالم» التي رافقت بعض القطع صدرت في الغالب عن المنظمين أو تقارير إعلامية، ولا تتوفر، بالنسبة إلى معظمها، شهادات مستقلة عن جهة دولية مختصة بالأرقام القياسية. لذلك تظل صياغة «تحفة عملاقة» أو «قطعة قدمها المنظمون باعتبارها الأكبر» أكثر دقة من تقديم الصفة كحقيقة دولية نهائية.
كيف تغير المهرجان خلال أربع عشرة دورة؟
يمكن تقسيم تاريخ تيميزار إلى أربع مراحل رئيسية.
مرحلة الولادة والتثبيت: 2010–2011
ركزت الدورتان الأولى والثانية على إخراج الفكرة إلى الوجود وإثبات إمكانية استمرارها. كان معرض الفضة والورشات والندوات والفنون الشعبية أساس البرنامج، فيما كانت الشراكات ما تزال في طور البناء.
مرحلة التوسع المؤسسي: 2012–2014
منذ الدورة الثالثة، تعزز حضور جمعية تيميزار واتسعت شبكة الشركاء، وبدأ المهرجان يبحث عن إشعاع خارج تيزنيت. كما ظهرت المشاركات الأجنبية وتقليد التحف الفضية الكبرى، وبدأت الصياغة تنفتح على تصميم الأزياء.
مرحلة ترسيخ العلامة الدولية: 2015–2019
خلال هذه الفترة، أصبحت المفاجأة الفضية جزءاً ثابتاً من الافتتاح، وتكرست المعارض الدولية والندوات والورشات والبرامج الفنية. وانتهت المرحلة بكتاب يوثق الندوات السابقة وبإكمال عشر نسخ متتالية.
مرحلة العودة والرعاية الملكية: 2023–2026
بعد توقف الجائحة، عاد المهرجان ببرنامج موسع وتحف تستلهم الموسيقى ومعمار المدينة واللباس المحلي. ثم جاءت دورة 2025 بوصفها أول نسخة تحت الرعاية الملكية، واستمرت الرعاية في الدورة الرابعة عشرة لسنة 2026.
هل حقق المهرجان رهانه الاقتصادي؟
منذ تأسيسه، ربط خطاب تيميزار بين حماية التراث وتحقيق التنمية. وتكرر في بلاغات مختلف الدورات الحديث عن دعم الصانع، وفتح فرص العرض والتسويق، وتنشيط السياحة والتجارة والإيواء، وتعزيز صورة تيزنيت عاصمة للفضة.
وقد تطور عدد العارضين، وأصبحت المعارض تستقبل مشاركين من دول مختلفة، كما توسعت التظاهرة لتشمل المنتوجات المجالية والحرف الأخرى والورشات والتكوين والجوائز.
لكن لا تتوفر في المصادر المنشورة سلسلة مالية موحدة ومدققة توضح، لكل دورة، ميزانية المهرجان، وقيمة مبيعات الحرفيين، وعدد ليالي المبيت، ومداخيل التجارة، أو فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة.
لذلك يمكن تأكيد وجود دينامية عرض وتسويق وحضور دولي، لكن لا يمكن تحديد الأثر الاقتصادي الإجمالي للمهرجان بدقة من دون بيانات سنوية رسمية قابلة للمقارنة.
وهذا أحد الملفات التي يمكن أن تشكل المرحلة المقبلة من تاريخ تيميزار: الانتقال من الحديث العام عن الأثر التنموي إلى نشر أرقام مفصلة حول الميزانية والزوار والمبيعات والاستفادة المباشرة للصناع.
بين السهرات وهوية المهرجان
رافقت السهرات الفنية «تيميزار» منذ دوراته الأولى، وساهمت في جذب الجمهور وتحويل أيام المهرجان إلى موسم احتفالي ينتشر في عدد من فضاءات المدينة.
لكن قراءة البرامج تبين أن التظاهرة لم تؤسس في الأصل باعتبارها مهرجاناً غنائياً؛ فقد كان معرض الفضة والورشات والندوات وتكريم الصناع وعروض الحلي في صلب المشروع منذ البداية.
ويظل التحدي التنظيمي قائماً في الحفاظ على هذا التوازن: أن تستمر السهرات بوصفها وسيلة لجذب الجمهور، من دون أن تحجب الصانع التقليدي أو تحول معرض الفضة إلى نشاط ثانوي.
فالقيمة التي تميز «تيميزار» عن عشرات المهرجانات الصيفية ليست فقط أسماء الفنانين، بل علاقته العضوية بتاريخ المدينة وبالصاغة الذين صنعوا شهرتها.
أربعة عشر رقماً في سجل تيميزار
- الدورة الأولى: 5–8 غشت 2010.
- الدورة الثانية: 25–27 يوليوز 2011.
- الدورة الثالثة: 25–28 غشت 2012.
- الدورة الرابعة: 20–24 غشت 2013.
- الدورة الخامسة: 18–22 غشت 2014.
- الدورة السادسة: 13–17 غشت 2015.
- الدورة السابعة: 28 يوليوز–1 غشت 2016.
- الدورة الثامنة: 21–25 يوليوز 2017.
- الدورة التاسعة: 19–23 يوليوز 2018.
- الدورة العاشرة: 18–22 يوليوز 2019.
- 2020–2022: توقف بسبب جائحة كورونا.
- الدورة الحادية عشرة: 23–28 غشت 2023.
- الدورة الثانية عشرة: 24–29 يوليوز 2024.
- الدورة الثالثة عشرة: 15–20 يوليوز 2025.
- الدورة الرابعة عشرة: 15–20 يوليوز 2026.
من ورشة الصائغ إلى الرعاية الملكية
بعد أكثر من عقد ونصف على أول دورة، يمكن القول إن مهرجان تيميزار نجح في جعل الفضة عنواناً دائماً لمدينة تيزنيت داخل المشهد الثقافي المغربي.
بدأ المشروع من قرار محلي ورغبة في تثمين الحرفة، ثم تحول إلى تظاهرة جمعت الصناع والباحثين والفنانين والعارضين من المغرب وخارجه.
مر المهرجان بصعوبات الاستمرار، وتغيرت بنيته التنظيمية، واتسعت شراكاته، وتوقف ثلاث سنوات تحت ضغط الجائحة، قبل أن يعود ويصل إلى الرعاية الملكية في دورتيه الثالثة عشرة والرابعة عشرة.
وبين خنجر الدورة الرابعة وبلغة الدورة الثالثة عشرة، تراكمت ذاكرة من الفضة تحكي تطور المهرجان وتطور نظرته إلى تراث المدينة.
لكن مستقبل «تيميزار» لن يقاس فقط بعدد الدورات أو المنصات أو التحف الكبيرة. سيقاس أيضاً بقدرته على حماية الحرفة من الاندثار، ونقل تقنياتها إلى الشباب، وتحسين دخل الصاغة، وتطوير التصميم، وفتح أسواق جديدة، وتوثيق تاريخ الصناعة الفضية وحفظ التحف التي صنعتها الدورات السابقة داخل متحف دائم.
فعندما أطلقت تيزنيت مهرجانها سنة 2010، كانت تراهن على أن تتحول الفضة من ذاكرة مهددة إلى مصدر للإبداع والتنمية. وبعد أربع عشرة دورة، لا يزال الشعار نفسه قائماً، ولا يزال السؤال نفسه مفتوحاً: كيف يمكن تحويل بريق المهرجان الذي يستمر أياماً إلى أثر مستدام يرافق الصانع والمدينة طوال السنة؟
عبدالله بن عيسى
- بدأ التفكير المؤسسي في مهرجان خاص بتيزنيت قبل سنوات من تنظيم دورته الأولى.
- انطلقت الدورة الأولى لمهرجان الفضة في غشت 2010.
- حافظ المهرجان على شعار «الصياغة الفضية.. هوية، إبداع وتنمية».
- نُظمت عشر دورات متتالية بين 2010 و2019.
- توقف المهرجان خلال 2020 و2021 و2022 بسبب جائحة كورونا.
- عاد في غشت 2023 بتنظيم الدورة الحادية عشرة.
- كانت دورة 2025 أول نسخة تنظم تحت الرعاية الملكية السامية.
- تُقام الدورة الرابعة عشرة من 15 إلى 20 يوليوز 2026.
- لم تُعلن، حتى إعداد المقال، تحفة دورة 2026 في مصدر رسمي موثق.

