أعادت مجموعة أيت العاتي فتح النقاش حول معايير اختيار الفنانين والفرق المشاركة في المهرجانات والتظاهرات الثقافية بجهة سوس ماسة، بعدما أطلق أفراد منها صرخة احتجاجية على ما يعتبرونه تهميشا لتجربة فنية تجاوز عمرها نصف قرن.
وجاء النداء مع اقتراب الموسم الصيفي، الذي يعرف تنظيم عدد كبير من المهرجانات والسهرات العمومية في مدن وأقاليم الجهة، وسط تساؤلات المجموعة عن أسباب عدم حضور اسمها في البرمجة الفنية، مقابل تكرار مشاركة أسماء بعينها في أكثر من تظاهرة.
ولا تقدم الرسالة لائحة بالمهرجانات التي تواصلت معها المجموعة أو استبعدتها، كما لا توجد منصة رسمية موحدة تجمع البرمجة النهائية لجميع مهرجانات سوس ماسة. لذلك، فإن الحديث عن الغياب الشامل يظل موقفا صادرا عن أفراد المجموعة، ولا يمكن تأكيده بصورة مستقلة بالنسبة إلى كل التظاهرات الصيفية دون استثناء.
عبد القادر أوالعاتي يترجم صرخة المجموعة
عبّر عبد القادر أوالعاتي، نجل رئيس ومؤسس المجموعة حسن أوالعاتي، عن استياء أفرادها من طريقة تعامل عدد من المهرجانات مع تجربتهم الفنية.
وقال في النداء الذي جرى تداوله:
«إلى متى سيستمر تهميش مجموعة أيت العاتي؟ من غير المقبول أن يتم تجاهل مجموعة لها تاريخ طويل وإسهام كبير في خدمة الأغنية الأمازيغية، بينما تتكرر برمجة نفس الأسماء في العديد من التظاهرات والمهرجانات».
وأضاف:
«لسنا نطلب امتيازات، ولا نسعى إلى مجاملة من أحد، وإنما نطالب بالإنصاف والشفافية واحترام قيمة التجربة الفنية التي راكمتها مجموعة أيت العاتي عبر سنوات من العطاء».
وختم النداء بالتأكيد على أن قيمة الفنان لا ينبغي أن ترتبط بالعلاقات والمجاملات، بل بما تركه من أثر وإرث فني، مشددا على حق جمهور المجموعة في رؤيتها حاضرة فوق المنصات بما يليق بتاريخها. ويطابق هذا الموقف النص المتداول باسم المجموعة على منصات التواصل الاجتماعي.
مسار بدأ من المزار سنة 1972
لا يتعلق الأمر بمجموعة ظهرت في السنوات الأخيرة ثم طالبت بمكان داخل المهرجانات، بل بتجربة موسيقية تعود بدايتها إلى سنة 1972 بحي المزار في مدينة أيت ملول.
ويقود المجموعة الفنان حسن أوالعاتي، الذي بدأ مساره الفني قبل أكثر من خمسة عقود. وتصفه مادة حديثة للقناة الثانية بأنه أحد رواد ظاهرة المجموعات الغنائية الأمازيغية، مشيرة إلى انطلاق تجربته سنة 1972، وإلى دراسته الموسيقى في المعهد الموسيقي بأكادير سنة 1999.
أما التعريف الرسمي للمجموعة، فيؤكد تأسيسها سنة 1972 بحي المزار، ويشير إلى توفرها على رصيد يضم 15 ألبوما غنائيا وفيلمي فيديو موسيقيين، إلى جانب مشاركات في أعمال فنانين آخرين.
وباحتساب الفترة الممتدة من سنة 1972 إلى سنة 2026، تكون مجموعة أيت العاتي قد راكمت نحو 54 سنة من الحضور الفني، وهو ما يجعل مطلبها مرتبطا أيضا بمكانة الذاكرة الفنية داخل المهرجانات، وليس فقط بالحصول على سهرة أو مشاركة عابرة.
من «الأحباب» إلى اسم أيت العاتي
مرت التجربة الأولى للمجموعة بعدة مراحل قبل الاستقرار على اسم «أيت العاتي»، الذي يعكس الطابع العائلي للفرقة، إذ ضمت الإخوة حسن وعبد الله والحسين وإبراهيم، ثم انضمت إليها أجيال من العائلة، من بينها عبد القادر، نجل حسن، وحمزة، نجل عبد الله.
وتشير المصادر التعريفية المتاحة إلى أن المجموعة بدأت باسم «الأحباب»، ثم حملت اسم «إمرجان»، قبل أن تستقر على تسميتها الحالية خلال سبعينيات القرن الماضي.
هذا الامتداد العائلي منح التجربة قدرة على الاستمرار، كما حولها إلى فضاء لنقل الخبرة الموسيقية بين جيل المؤسسين وجيل الأبناء، بدل أن تنتهي برحيل أو اعتزال أحد الأعضاء.
أيت العاتي ومدرسة «تكروبيت»
ارتبط اسم أيت العاتي بصورة خاصة بلون «تكروبيت» أو «تيروبا»، وهو أحد الأنماط الموسيقية السوسية القائمة على عمل المجموعة، والتناسق بين الغناء الجماعي والآلات الوترية والإيقاعية.
وتتميز موسيقى المجموعة بحضور القيثارة والبانجو والطام طام والبندير والناقوس، إلى جانب سرعة الإيقاع والتناسق بين العازفين. كما ارتبطت تجربتها بتطوير تقاسيم موسيقية على القيثارة وبأسلوب أدائي حركي فوق الخشبة.
ولا تمثل «تكروبيت» مجرد إيقاع للرقص والاحتفالات، بل أصبحت جزءا من الذاكرة الموسيقية الشعبية في سوس، وتنتشر خصوصا في الأعراس والمناسبات الاجتماعية، مع اعتماد واضح على القيثارة والبانجو والإيقاعات الجماعية.
وتكمن أهمية أيت العاتي في أنها ساهمت، إلى جانب مجموعات أخرى، في منح هذا اللون هوية فنية مسجلة، ونقله من الحفلات المحلية إلى الأشرطة والمنصات والمهرجانات.
رصيد فني لا يقتصر على الحنين
يحمل المسار الطويل للمجموعة عددا من الأعمال التي بقيت متداولة لدى جمهور الأغنية الأمازيغية، ومن بينها «نضالب لخير»، و«رواح أزين رواح»، و«تميمت أدونيت»، و«إيه وإيه وعاد الحنة»، إلى جانب أعمال أخرى عالجت موضوعات اجتماعية وعاطفية مستمدة من حياة الناس في سوس.
ولا تعيش المجموعة على أرشيفها القديم فقط، إذ نشرت خلال سنة 2025 عملا جديدا بعنوان «إستهل الزين»، يجمع، وفق تقديمها، بين أصالة «تكروبيت» وألحان تشلحيت وتأثيرات من الشعبي والمقامات الخماسية والإيقاعات الكناوية.
كما تشير صفحتها الرسمية إلى مشاركتها في مهرجان إيمينيك خلال سنة 2025، وهو ما يؤكد استمرارها في تقديم العروض والتواصل مع الجمهور، وعدم تحولها إلى تجربة متوقفة لا يمكنها الصعود إلى المنصة.
حضرت في تيميتار ثم غابت عن واجهة النقاش
سبق للمجموعة أن شاركت في عدد من التظاهرات، من بينها مهرجان تيميتار في سنوات 2008 و2015 و2019، إضافة إلى مهرجانات وملتقيات بالدشيرة وإنزكان وماسة وتيزنيت، وحفلات فنية خارج المغرب.
كما حظيت خلال مسارها بعدد من التكريمات من جماعات ومهرجانات وجمعيات، تقديرا لما قدمته للأغنية الأمازيغية.
غير أن الإشكال الذي تطرحه الصرخة الحالية هو أن التكريم لا يعوض الحضور الفني الحي. فالفنان لا يحتاج فقط إلى درع يُسلّم له في نهاية مساره، بل يحتاج أيضا إلى منصة تقدم أعماله لجمهور جديد وتربط الأجيال الصاعدة بتاريخ الموسيقى المحلية.
ومن هنا يأتي السؤال الذي يطرحه أعضاء المجموعة: كيف تُكرم تجربة فنية باعتبارها جزءا من التراث، ثم لا تجد مكانا منتظما داخل برمجة المهرجانات التي تجعل من الثقافة الأمازيغية عنوانا لها؟
هل تتكرر الأسماء نفسها في المهرجانات؟
يتهم النداء عددا من المهرجانات بإعادة برمجة الأسماء نفسها، مقابل غياب تجارب أخرى تمتلك تاريخا وجمهورا ورصيدا فنيا.
ولا يمكن الحكم بصورة نهائية على هذا الاتهام دون نشر لوائح تفصيلية لجميع المشاركين، والميزانيات، ومعايير الانتقاء، وعدد مرات مشاركة كل فنان أو مجموعة.
لكن المطلب الذي تطرحه أيت العاتي يظل مشروعا من زاوية الحق في معرفة كيفية اختيار الفرق، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتظاهرات تستفيد من دعم عمومي أو تنظمها جماعات ومؤسسات منتخبة.
فالشفافية لا تعني فرض مشاركة كل فنان في كل دورة، وإنما إعلان معايير واضحة تجمع بين القيمة الفنية، والتنوع، وتجديد الأسماء، وتمثيل الأجيال والمدارس الموسيقية المختلفة.
المهرجان ليس مجرد منصة للنجوم الأكثر تداولا
عندما ينظم مهرجان في سوس ماسة تحت عنوان الثقافة الأمازيغية، يفترض ألا يقتصر دوره على استدعاء الأسماء الأكثر انتشارا في الوقت الراهن.
فالمهرجان يؤدي أيضا وظيفة ثقافية وتوثيقية، تتمثل في حفظ ذاكرة المنطقة وتقديم تجاربها المؤسسة، إلى جانب فتح المجال أمام المواهب الجديدة.
ويمكن بناء برمجة متوازنة تجمع بين الرواد والفنانين الشباب والأسماء الجماهيرية، دون أن يكون حضور فئة على حساب إقصاء الفئات الأخرى.
كما يمكن تخصيص فقرات أو منصات لمدارس فنية بعينها، من بينها «تكروبيت»، حتى يتعرف الجمهور الجديد على اختلافها عن تزنزارت والروايس وأحواش وبقية مكونات الموسيقى الأمازيغية.
سؤال يتجاوز أيت العاتي
لا تخص قضية البرمجة مجموعة أيت العاتي وحدها، بل تطرح سؤالا أوسع حول مصير عدد من الفرق والفنانين الذين صنعوا جزءا من الذاكرة الموسيقية لسوس، قبل أن تنحسر مشاركتهم في المهرجانات الكبرى.
فالمشهد الفني لا يمكن أن يستمر بالاعتماد على أسماء محدودة مهما كانت جماهيريتها، كما أن حماية التراث لا تتحقق فقط بالأرشفة وتنظيم حفلات التكريم، بل بإبقاء أصحابه حاضرين ومشاركين.
وقد خصصت القناة الثانية في فبراير 2026 حلقة كاملة لأيت العاتي بعنوان «عطاء بلا حدود»، في اعتراف إعلامي باستمرار قيمة تجربتها ومكانتها ضمن الذاكرة الفنية الأمازيغية.
وهنا تظهر المفارقة التي يحملها احتجاج المجموعة: تجربة يُحتفى بتاريخها في البرامج واللقاءات، لكنها تقول إنها لا تحظى بالحضور نفسه داخل منصات المهرجانات الصيفية بجهتها الأصلية.
المطلوب توضيح معايير البرمجة
لا يتضمن نداء عبد القادر أوالعاتي اتهاما لجهة أو مهرجان محدد، كما لا يطلب منح المجموعة حقا دائما في المشاركة.
بل يتمحور المطلب حول الإنصاف والشفافية، وهو ما يمكن أن يتحقق عبر نشر لجان الاختيار لمعايير البرمجة، وفتح باب الترشيح أمام الفنانين، وتوضيح كيفية توزيع المشاركات بين الرواد والأسماء الحديثة.
كما يظل من حق الجهات المنظمة تقديم موقفها وتوضيح ما إذا كانت البرمجة قائمة على طلبات المشاركة أو التعاقد المباشر أو اختيار فني تشرف عليه لجان مستقلة.
وإلى حدود إعداد هذا المقال، لم أعثر على رد رسمي مباشر من مهرجان أو مؤسسة بجهة سوس ماسة على النداء الصادر باسم أفراد مجموعة أيت العاتي.
الإنصاف لا يعني المجاملة
لا ينبغي أن تتحول المطالبة بحضور الرواد إلى دعوة لبرمجتهم فقط بسبب سنوات الأقدمية، كما لا يجوز أن تتحول معايير الحداثة والجماهيرية إلى ذريعة لمحو أصحاب التجارب المؤسسة.
الإنصاف الحقيقي يقوم على تقييم القدرة الفنية الحالية، والرُّصيد، وجودة العرض، وحضور الجمهور، والتنوع الثقافي، مع منح مختلف المدارس الموسيقية فرصا متوازنة.
ومجموعة أيت العاتي، التي ما تزال تنتج وتقدم عروضا، تطالب بأن يُنظر إليها كتجربة فنية حية، لا مجرد اسم من الماضي يُستدعى عند التكريم.
وبعد أكثر من خمسين سنة من العطاء، يصبح السؤال مشروعا: هل تحتفي مهرجانات سوس ماسة فعلا بذاكرتها الفنية، أم تكتفي برفع شعارات التراث مع إعادة تدوير البرمجة نفسها؟
- تأسست مجموعة أيت العاتي سنة 1972 بحي المزار في أيت ملول.
- راكمت أكثر من نصف قرن من العطاء في الأغنية الأمازيغية، خاصة لون تكروبيت.
- تتوفر على 15 ألبوما غنائيا بحسب التعريف الرسمي للمجموعة.
- عبد القادر أوالعاتي طالب بالإنصاف والشفافية وانتقد تكرار الأسماء نفسها في المهرجانات.
- لا تطلب المجموعة امتيازا دائما بل حضورا يراعي تاريخها وقيمتها الفنية وجمهورها.
- لا يمكن تأكيد غيابها عن جميع مهرجانات الجهة بلا استثناء لعدم وجود برمجة رسمية موحدة لجميع التظاهرات.

