بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
لم يقدم الشعب الجزائري أكثر من مليون شهيد في سبيل الحرية ليجد نفسه، بعد الاستقلال، أمام واقع سياسي يختلف كثيرًا عن الأحلام التي بشّرت بها ثورة نوفمبر. فقد كانت الثورة مشروعًا للتحرر وبناء دولة يسودها القانون والعدالة والكرامة، غير أن مسار الأحداث قاد، في نظر كثيرين، إلى مصادرة أهدافها قبل أن تكتمل، لينتقل الشعب من مواجهة الاستعمار إلى مواجهة سلطة احتكرت الشرعية باسم الثورة.
فبعد الاستقلال، لم تُبنَ دولة المؤسسات بالقدر الذي كان يتطلع إليه الجزائريون، بل برزت المؤسسة العسكرية بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا في صناعة القرار السياسي. ومع مرور السنوات، ترسخ نظام يقوم على احتكار السلطة، وتضاءلت فرص التداول الديمقراطي، بينما ظلت الإرادة الشعبية محكومة بتوازنات القوة أكثر من احتكامها إلى صناديق الاقتراع.
ولم يكن الاستبداد وحده ثمرة هذا المسار، بل رافقته منظومة واسعة من الفساد وسوء التسيير. فبلد يمتلك ثروات طبيعية هائلة، وفي مقدمتها النفط والغاز، كان مؤهلًا لأن يكون من أكثر الدول ازدهارًا في أفريقيا والعالم، غير أن الفساد، وتقديم الولاءات على الكفاءات، وسوء استغلال الموارد، كلها عوامل حدّت من تحقيق التنمية بالمستوى الذي تسمح به تلك الإمكانات. وأصبحت قضايا الفساد التي طالت مسؤولين كبارًا ورجال أعمال تعكس، في نظر كثيرين، أزمة حكم أكثر من كونها مجرد تجاوزات فردية.
ولم يقتصر أثر هذا المسار على الداخل الجزائري، بل امتد إلى السياسة الخارجية، حيث أصبح البحث عن خصومات دائمة وسيلة لتبرير استمرار منطق التعبئة وصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية، وهو ما يفسر، وفق هذا الطرح، استمرار التوتر مع المغرب باعتباره خيارًا سياسيًا أكثر منه حتمية تاريخية.
وفي هذا السياق، يرى أصحاب هذا الرأي أن قضية الصحراء المغربية تحولت منذ بدايتها إلى أحد أبرز محاور السياسة الإقليمية للنظام الجزائري. ويعتبرون أن دعم جبهة البوليساريو وتشجيع المشروع الانفصالي أسهما في إطالة أمد النزاع، وتعميق القطيعة مع المغرب، وإبقاء المنطقة رهينة صراع استنزف الطاقات وأهدر فرص التنمية المشتركة. كما يرون أن هذا النزاع أصبح يؤدي وظيفة سياسية داخلية، من خلال توجيه اهتمام الرأي العام نحو قضية خارجية بدل الانشغال بملفات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وفي المقابل، يؤكد المغرب أن الصحراء جزء لا يتجزأ من سيادته الوطنية، ويعتبر مبادرة الحكم الذاتي الأساس الواقعي لتسوية النزاع، بينما تتمسك الجزائر بموقفها المعلن الداعم لحق تقرير المصير. غير أن استمرار هذا الخلاف لم يكن في مصلحة أي من شعوب المنطقة، بل أدى إلى تجميد الاتحاد المغاربي، وإغلاق الحدود، وضياع عقود من فرص التكامل الاقتصادي والاستثماري، في وقت كانت فيه شعوب المنطقة أحوج ما تكون إلى التعاون بدل الصراع.
والمفارقة المؤلمة أن الشعبين المغربي والجزائري جمعتهما تضحيات مشتركة في مواجهة الاستعمار الفرنسي، كما احتضن المغرب الثورة الجزائرية وقدم لها أشكالًا متعددة من الدعم خلال حرب التحرير. وكان المنتظر أن تؤسس تلك الروابط التاريخية لعلاقة استراتيجية بين بلدين شقيقين، غير أن منطق الصراع غلب، فضاعت فرصة بناء فضاء مغاربي قوي، قادر على تحقيق التنمية ومواجهة التحديات المشتركة.
إن نقد السلطة ليس نقدًا للجزائر، ولا انتقاصًا من عظمة ثورة نوفمبر، بل هو دفاع عن الرسالة الأصلية لتلك الثورة. فالوفاء الحقيقي لدماء الشهداء لا يكون برفع الشعارات، وإنما ببناء دولة ديمقراطية تحترم سيادة القانون، وتخضع فيها جميع المؤسسات لإرادة الشعب، وتُوجَّه ثروات البلاد لخدمة المواطن بدل إدامة الأزمات.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه، بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال: هل كان حلم نوفمبر مجرد تحرير الأرض من الاستعمار، أم كان أيضًا مشروعًا لتحرير الإنسان من الاستبداد، وبناء دولة المؤسسات، وإقامة اتحاد مغاربي يجعل من الحدود جسورًا للتعاون والتكامل، بدل أن تبقى خطوطًا للفصل والصراع؟

