دخل المشهد السياسي بإقليم تيزنيت مرحلة جديدة من التنافس، بعد الإعلان عن تزكية لحسن الباز وكيلاً للائحة حزب الاستقلال، وفؤاد المودني مرشحاً لحزب الأصالة والمعاصرة، في مواجهة مرتقبة مع عبد الله غازي، الرئيس الحالي لجماعة تيزنيت والبرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار.
هذه الترشيحات لم تمر بهدوء، بل أثارت عاصفة سياسية مبكرة على الصفحات المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت النقاشات بين من يرى فيها نهاية لمرحلة الهيمنة وبداية لمنافسة حقيقية، ومن يعتبر أن السباق الانتخابي يتجه نحو صراع بين المال والسياسة والرياضة، على حساب النقاش المتعلق بالبرامج والحصيلة التنموية.
هيمنة انتخابية منذ سنة 2021
من الضروري التوضيح أن حزب التجمع الوطني للأحرار لم يفز بالمقعدين البرلمانيين المخصصين لدائرة تيزنيت في انتخابات 2021، إذ تقاسمهما مع حزب الاستقلال: الأول لعبد الله غازي عن «الأحرار»، والثاني لحنان عبدلاوي عن «الميزان».
لكن النتائج الرقمية عكست تفوقاً كبيراً لحزب التجمع الوطني للأحرار، بعدما حصل على حوالي 37 ألفاً و449 صوتاً، مقابل 7 آلاف و629 صوتاً لحزب الاستقلال، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 56.4 في المائة، وتنافست خلالها 13 لائحة.
وامتدت هذه القوة إلى الانتخابات الجماعية، بعدما تصدر «الأحرار» نتائج جماعة تيزنيت بـ13 مقعداً من أصل 31، قبل انتخاب عبد الله غازي رئيساً للمجلس الجماعي بـ24 صوتاً.
وبذلك أصبح الحزب، منذ سنة 2021، مركز الثقل الأساسي في الخريطة السياسية للإقليم، مستفيداً من حضوره داخل الجماعات الترابية ومن موقع مرشحه داخل رئاسة جماعة تيزنيت، فضلاً عن امتداده التنظيمي والانتخابي في عدد من المناطق القروية.
الباز يعيد حزب الاستقلال إلى قلب المنافسة
جاء اختيار لحسن الباز وكيلاً للائحة حزب الاستقلال ليمنح الحزب نفساً انتخابياً جديداً. فقد ضمته اللجنة التنفيذية للحزب إلى اللائحة الأولية لمرشحي الانتخابات التشريعية لسنة 2026، منهية بذلك مرحلة من التكهنات حول الاسم الذي سيقود «الميزان» في دائرة تيزنيت.
وتقدم الصفحات المحلية الباز باعتباره فاعلاً اقتصادياً وجمعوياً، ينحدر من منطقة أيت براييم، ويمتلك شبكة من العلاقات الاجتماعية والمهنية قد تساعده على توسيع دائرة الحزب خارج قاعدته التقليدية.
كما شرع الباز، وفق ما نشرته منابر محلية، في تكثيف لقاءاته مع عدد من الفاعلين الجمعويين والاقتصاديين، وهو ما فتح نقاشاً مبكراً حول قدرته على المحافظة على المقعد الذي فاز به حزب الاستقلال سنة 2021، أو حتى إعادة تشكيل التوازنات الانتخابية داخل الإقليم.
غير أن الرصيد الاجتماعي والاقتصادي لا يتحول آلياً إلى أصوات انتخابية. فالحسم سيظل مرتبطاً بقدرته على بناء تنظيم ميداني، واختيار لائحة متوازنة جغرافياً وقبلياً، وتقديم خطاب يتجاوز العلاقات الشخصية نحو برنامج واضح للإقليم.
المودني يدخل السياسة من بوابة الكرة
أما المفاجأة الأكثر إثارة للنقاش، فتمثلت في تزكية حزب الأصالة والمعاصرة لفؤاد المودني مرشحاً رسمياً بدائرة تيزنيت، بعد مصادقة المجلس الوطني للحزب على ترشيحه.
ويستمد المودني جزءاً كبيراً من حضوره من تجربته على رأس فريق أمل تيزنيت، خصوصاً بعد تحقيق الفريق صعوداً تاريخياً إلى القسم الوطني الاحترافي. وقد منحه هذا الإنجاز حضوراً جماهيرياً وإعلامياً واسعاً، وجعل اسمه معروفاً لدى فئات من الشباب والمتابعين الذين كانوا بعيدين نسبياً عن العمل الحزبي التقليدي.
لكن انتقال المودني من تدبير فريق لكرة القدم إلى المنافسة البرلمانية يضعه أمام اختبار مختلف. فالنجاح الرياضي يمنح صاحبه شعبية وصورة إيجابية، لكنه لا يكفي وحده للفوز في انتخابات تتحكم فيها شبكات محلية وتحالفات جماعية وحسابات قبلية ومجالية معقدة.
كما أن ترشيحه أعاد إلى الواجهة النقاش حول الحدود الفاصلة بين الرياضة والسياسة. فخصومه قد يتهمونه باستثمار نجاح أمل تيزنيت انتخابياً، بينما سيقدم أنصاره تجربته الرياضية دليلاً على قدرته على الإدارة والتعبئة وتحقيق النتائج.
من التحالف الحكومي إلى صراع المقعدين
المفارقة السياسية أن الأحزاب الثلاثة المتنافسة بقوة في تيزنيت — التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة — تشكل الأغلبية الحكومية نفسها على المستوى الوطني.
لكن هذا التحالف يتحول محلياً إلى مواجهة مفتوحة، لأن دائرة تيزنيت لا تتوفر إلا على مقعدين برلمانيين. وبذلك يجد ثلاثة مرشحين بارزين أنفسهم في سباق مباشر على مقعدين فقط، وهو ما وصفه تحليل محلي بالانتقال من «التحالف الثلاثي» إلى «الاختلاف الثلاثي».
عبد الله غازي يدخل المعركة مستنداً إلى موقعه البرلماني ورئاسته لجماعة تيزنيت وقوة التنظيم التجمعي. وفي المقابل، يراهن لحسن الباز على شبكة اجتماعية واقتصادية وحضور استقلالي متجذر، بينما يسعى فؤاد المودني إلى تحويل الشعبية الرياضية إلى رصيد سياسي وانتخابي.
وقد يدفع هذا التنافس أحزاب المعارضة، ولا سيما العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، إلى محاولة استثمار تشتت أصوات الأغلبية الحكومية. إلا أن ذلك يتوقف على نوعية مرشحيها وقدرتها على تقديم عرض سياسي مقنع، وليس فقط انتظار الصراع بين الأحزاب الثلاثة.
الصفحات المحلية تتحول إلى ساحة انتخابية
أظهر تتبع النقاشات المنشورة على عدد من الصفحات المحلية أن الحملة الانتخابية بدأت فعلياً قبل موعدها القانوني. فقد انتشرت صور المرشحين، ومقاطع من تحركاتهم، ومنشورات الإشادة بإنجازاتهم، إلى جانب تدوينات ساخرة وهجمات متبادلة واتهامات لبعض الصفحات بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك.
وانصب جزء كبير من الجدل على ثلاثة عناصر أساسية:
- القوة التنظيمية والتدبيرية لعبد الله غازي وحزب التجمع الوطني للأحرار.
- الإمكانات الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية المرتبطة باسم لحسن الباز.
- الشعبية الرياضية التي راكمها فؤاد المودني مع أمل تيزنيت.
غير أن التفاعل الرقمي لا يمثل استطلاعاً علمياً للرأي، كما أن عدد الإعجابات والتعليقات لا يمكن تحويله مباشرة إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع. فالانتخابات في دائرة واسعة مثل تيزنيت تحسمها أيضاً المشاركة في المناطق القروية، وقوة وكلاء اللوائح، والقدرة على التعبئة يوم الاقتراع.
هل انتهت هيمنة الأحرار؟
من المبكر الحديث عن نهاية هيمنة حزب التجمع الوطني للأحرار. فالحزب ما زال يتوفر على قاعدة انتخابية وتنظيمية قوية، وقد فاز، في ماي 2026، بالمقاعد الأربعة التي جرى التنافس عليها في انتخابات جماعية جزئية داخل الإقليم، ما يؤكد استمرار حضوره الميداني.
لكن الجديد أن الحزب لم يعد يتحرك داخل ساحة سياسية مريحة كما كان بعد نتائج 2021. دخول الباز والمودني منح المنافسة أسماء تتمتع بحضور خارج الهياكل الحزبية التقليدية، وفرض على عبد الله غازي الانتقال من موقع المرشح الأوفر حظاً دون منافسة قوية إلى موقع المدافع عن حصيلة خمس سنوات من التدبير.
ولهذا لن تكون المعركة المقبلة مجرد صراع بين ثلاثة أسماء، بل محاكمة سياسية للمرحلة الممتدة منذ انتخابات 2021: ماذا تحقق في التشغيل والاستثمار؟ ماذا تغير في وضعية الصحة والماء والطرق؟ وما حصيلة تمثيل الإقليم داخل البرلمان والحكومة؟
معركة مفتوحة بلا فائز مسبق
المعطيات المتوفرة لا تسمح بمنح المقعدين مسبقاً لأي طرف، كما لا توجد استطلاعات علمية منشورة تقيس اتجاهات الناخبين في الإقليم.
المؤكد أن تزكية لحسن الباز وفؤاد المودني أنهت مرحلة الهدوء، ووضعت حزب التجمع الوطني للأحرار أمام أول اختبار انتخابي قوي منذ اكتساحه العددي والمؤسساتي سنة 2021.
أما الفائز الحقيقي، فيفترض أن يكون إقليم تيزنيت إذا نجحت هذه المنافسة في فرض نقاش جدي حول التنمية والحصيلة والبرامج. لكن إذا تحولت المعركة إلى استعراض للنفوذ والمال والشعبية الرياضية وحروب الصفحات، فقد تكون النتيجة مجرد تغيير في الأسماء مع استمرار المشكلات نفسها.
تيزنيت/ عبدالله بن عيسى




