مع اقتراب كل انتخابات تشريعية، يعود المرشحون إلى دوائرهم محملين بلائحة طويلة من الوعود: سنبني الطرق، ونجهز المستشفى، وننشئ الجامعة، ونحل أزمة الماء، ونوفر فرص الشغل، ونهيئ الأحياء، ونقيم الملاعب والأسواق والمناطق الصناعية.
يستمع المواطن إلى هذه الوعود معتقداً أن النائب البرلماني، بمجرد فوزه، سيحمل ميزانية في جيبه، ويشرع في توزيع المشاريع على المدن والقرى كما يفعل رئيس جماعة أو وزير.
لكن الحقيقة الدستورية مختلفة تماماً.
النائب البرلماني لا يرأس إدارة ترابية، ولا يتوفر على ميزانية لتنفيذ مشاريع محلية، ولا يملك إصدار أوامر إلى المقاولين أو توقيع صفقات تهيئة الطرق والأحياء. وظيفته الأساسية هي التشريع، ومراقبة الحكومة، وتقييم السياسات العمومية، والترافع السياسي والمؤسساتي عن قضايا المواطنين.
أما الجماعة الترابية، فهي التي تتوفر على مجلس منتخب وبرنامج عمل وميزانية وإدارة ومصالح، وتتولى برمجة وتنفيذ عدد من خدمات القرب والمشاريع الداخلة ضمن اختصاصاتها.
وبين الوظيفتين توجد الحكومة وقطاعاتها الوزارية ومؤسساتها العمومية، وهي التي تملك السلطة التنفيذية والميزانيات القطاعية لإنجاز المستشفيات والمدارس والطرق الوطنية والإقليمية والسدود والمنشآت الكبرى.
الخلط بين هذه المستويات لا ينتج سوء فهم بسيطاً فقط، بل يفتح الباب أمام تضليل انتخابي خطير: البرلماني ينسب إلى نفسه مشروعاً أنجزته الحكومة أو الجماعة، ورئيس الجماعة يهرب من مسؤوليته بإلقائها على البرلمان، والحزب يقدم مشروعاً عمومياً ممولاً من ضرائب المواطنين كما لو كان هدية خاصة منه إلى المنطقة.
البرلمان يشرع ويراقب.. ولا يعبد الطرق
ينص الفصل 70 من الدستور المغربي بوضوح على أن البرلمان يصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية. وهذه هي الوظائف الثلاث الكبرى للمؤسسة التشريعية.
التشريع يعني مناقشة القوانين واقتراحها وتعديلها والتصويت عليها. ومراقبة الحكومة تتم عبر الأسئلة الكتابية والشفوية، واللجان الدائمة، والمهام الاستطلاعية، ولجان تقصي الحقائق، ومناقشة الميزانية والحصيلة الحكومية.
أما تقييم السياسات العمومية، فيتعلق بفحص نتائج البرامج الوطنية: هل حققت سياسة التشغيل أهدافها؟ هل حسّن إصلاح الصحة جودة العلاج؟ هل وصل الدعم إلى المستفيدين؟ وهل استُعمل المال العام بكفاءة؟
ويخصص الدستور جلسة أسبوعية لأسئلة النواب وأجوبة الحكومة، كما يفرض تقديم الجواب عن السؤال خلال عشرين يوماً من تاريخ إحالته، مع تخصيص جلسات للأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة يجيب عنها رئيس الحكومة.
هذه أدوات قوية إذا استعملها النائب بجدية. لكنه لا يتحول بسببها إلى صاحب مشروع تنفيذي.
عندما يسأل برلماني وزير التجهيز عن طريق متعثرة، فهو يمارس الرقابة والترافع. وعندما يدرج الوزير المشروع في الميزانية وتطلق الوزارة الصفقة، يكون التنفيذ مسؤولية الوزارة، وليس إنجازاً شخصياً للنائب.
يمكن القول إن البرلماني ساهم في إثارة الملف أو الضغط بشأنه أو تسريع دراسته، إذا كانت هناك وثائق تثبت ذلك. لكن القول إنه «أنجز الطريق» أو «بنى المستشفى» تحريف لطبيعة وظيفته ومصادرة لعمل المؤسسات والإدارات والمهندسين والعمال، وللمال العمومي الذي مول المشروع.
الجماعة تبرمج وتنفذ خدمات القرب
على خلاف البرلمان، تتوفر الجماعة على اختصاصات تنفيذية محلية ينظمها القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات. وتمارس اختصاصات ذاتية، وأخرى مشتركة مع الدولة، واختصاصات يمكن نقلها إليها.
ويضع مجلس الجماعة برنامج عمل لست سنوات يحدد المشاريع والبرامج ذات الأولوية، والإمكانات المالية اللازمة، والجدول الزمني للتنفيذ. كما يصوت المجلس على الميزانية والاتفاقيات والصفقات والمقررات المرتبطة بتدبير الشأن المحلي.
وتشمل اختصاصات الجماعة، وفق القانون، مجالات متعددة من خدمات القرب، مثل النظافة وجمع النفايات، والإنارة العمومية، والطرق الجماعية، وتنظيم السير والجولان، والأسواق والمرافق المحلية، والمحطات والمرائب، والمقابر، وبعض المنشآت الثقافية والرياضية والاجتماعية.
لكن هذه الاختصاصات لا تعني أن الجماعة مسؤولة عن كل شيء يوجد داخل حدودها. فالطريق قد تكون جماعية أو إقليمية أو جهوية أو وطنية، وتختلف الجهة المسؤولة عنها بحسب تصنيفها. والمستشفى يخضع أساساً للقطاع الحكومي المكلف بالصحة، والمدرسة للوزارة المكلفة بالتربية، فيما قد تساهم الجماعة بالعقار أو التهيئة أو التمويل في إطار اتفاقية شراكة.
لذلك، قبل توجيه السؤال أو النقد، ينبغي تحديد طبيعة المشروع والجهة صاحبة الاختصاص والميزانية.
رئيس الجماعة ليس برلمانياً محلياً
رئيس الجماعة لا يكتفي بالترافع والخطابة. إنه يرأس جهازاً تنفيذياً محلياً ويتولى تنفيذ مقررات المجلس، والإشراف على إدارة الجماعة، وتنفيذ الميزانية، ومتابعة العقود والصفقات، وممارسة صلاحيات للشرطة الإدارية في المجالات التي يحددها القانون.
ولهذا تكون مسؤوليته مباشرة عندما يتعلق الأمر بمشروع جماعي مبرمج وممول ولم يُنفذ، أو بخدمة قرب تدخل ضمن اختصاص الجماعة وتعرف اختلالاً.
إذا تراكمت النفايات، أو تعطلت الإنارة، أو تدهورت طريق جماعية، أو أُهمل مرفق محلي، فلا ينبغي الهروب نحو النائب البرلماني قبل مساءلة المجلس الجماعي ورئيسه وإدارته وميزانيته.
وفي المقابل، إذا تعلق الأمر بطريق وطنية أو مستشفى إقليمي أو مؤسسة جامعية أو سياسة للتشغيل، فلا يجوز تحميل الجماعة وحدها مسؤولية ملف تملك الحكومة مفاتيحه الأساسية.
قد تشارك الجماعة في اتفاقية أو توفر العقار أو تنجز أشغالاً مكملة، لكنها لا تحل محل الدولة في اختصاصاتها القطاعية.
من ينجز المستشفى والمدرسة والطريق؟
لفهم المسؤولية، يجب طرح سؤالين بسيطين: من يملك الاختصاص؟ ومن يملك الميزانية؟
في مشروع مستشفى عمومي، تتولى الوزارة المعنية أو المؤسسة الصحية المختصة البرمجة والتمويل والتجهيز والتوظيف، وقد تساهم الجهة أو الجماعة بالعقار أو التمويل عبر اتفاقية.
وفي بناء مدرسة، تكون الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين والوزارة المعنية في صلب التنفيذ، مع احتمال مساهمة الجماعة في توفير الوعاء العقاري أو الربط بالشبكات والتهيئة الخارجية.
أما الطريق، فتتحدد المسؤولية بحسب تصنيفها. فهناك طرق جماعية وأخرى إقليمية وجهوية ووطنية، ولا يجوز تقديم كل إصلاح طرقي على أنه إنجاز لرئيس جماعة أو برلماني دون معرفة صاحب المشروع والصفقة والتمويل.
وبالنسبة إلى مشروع كبير للماء أو السدود أو الحماية من الفيضانات، قد تتداخل قطاعات وزارية ووكالات ومؤسسات عمومية وجماعات ترابية. وهنا تكون الاتفاقية والميزانية ودفتر التحملات هي المرجع، لا الصورة التي التُقطت بجانب الورش.
صاحب الإنجاز الحقيقي ليس من يقف أمام الكاميرا، بل المؤسسة التي برمجت واعتمدت التمويل وأطلقت الصفقة وتابعت التنفيذ.
الترافع ليس ملكية للمشروع
لا ينبغي التقليل من أهمية الترافع. فقد ينجح نائب نشيط في لفت انتباه وزير إلى مشكلة منسية، أو طرح أسئلة متكررة، أو تقديم تعديل في قانون المالية، أو عقد اجتماعات مع الإدارة، أو تنسيق جهود المنتخبين والفاعلين المدنيين.
وقد يكون هذا العمل سبباً في تسريع مشروع أو إخراجه من دائرة الانتظار. ومن حق النائب أن يعرض حصيلته الترافعية، شريطة أن يقدم الأدلة: سؤال كتابي، جواب وزاري، تعديل مقترح، اجتماع موثق، التزام حكومي، أو اعتمادات أدرجت في الميزانية.
لكن الترافع لا يحول المشروع إلى ملكية شخصية.
فكثير من المشاريع تسبق النائب بسنوات، وتترافع بشأنها جمعيات وجماعات وسكان وبرلمانيون متعاقبون. وقد تكون جزءاً من مخطط وطني أو اتفاقية متعددة الأطراف.
عندما يصل المشروع إلى التنفيذ، لا يحق لآخر من التقط صورة مع الوزير أن يمحو كل من سبقه ويعلن أنه صاحب المشروع.
الترافع مساهمة، وليس سند ملكية.
النائب يمثل الأمة.. لكنه انتُخب من دائرة
ينص الفصل 60 من الدستور على أن أعضاء البرلمان يستمدون نيابتهم من الأمة، وأن حقهم في التصويت شخصي لا يمكن تفويضه.
هذا يعني أن النائب، بعد انتخابه، لا يمثل مدينته أو قبيلته أو جماعته وحدها، بل يمارس نيابة وطنية ويصوت على قوانين تهم جميع المغاربة.
لكن انتخابه داخل دائرة محلية يخلق تجاهه مسؤولية سياسية وأخلاقية إضافية: أن ينقل مشكلات المنطقة إلى البرلمان، ويتابع الملفات الحكومية المتعلقة بها، ويتواصل مع المواطنين، ويقدم حصيلته، دون أن يتحول إلى وسيط للمصالح الفردية أو موزع للوعود.
عليه أن يجمع بين البعدين: يمثل الأمة في التشريع، ويمثل صوت دائرته في الرقابة والترافع.
غير أن تمثيل الدائرة لا يعني أن يتحول إلى رئيس جماعة فوق رؤساء الجماعات، ولا أن يتدخل في الإدارة والصفقات والتوظيف، ولا أن يقدم نفسه باعتباره صاحب سلطة تنفيذية محلية.
النائب القوي ليس من يزاحم الجماعة في اختصاصاتها، بل من يراقب الحكومة ويجبرها على احترام التزاماتها تجاه الإقليم.
هل يمثل النائب الدائرة أم الحزب؟
دستورياً، يمثل النائب الأمة، وصوته شخصي. وقد أكدت المحكمة الدستورية أن أعضاء البرلمان، سواء كانوا في الأغلبية أو المعارضة، متساوون في حرية التصويت وفق قناعاتهم.
لكن النائب لا يدخل البرلمان منفرداً في الواقع السياسي. لقد ترشح باسم حزب، وحصل على تزكيته، ودخل فريقه البرلماني، ويعمل داخل برنامج سياسي وتوجهات تحددها قيادة الحزب ومؤسسات الفريق.
إذا كان حزبه جزءاً من الحكومة، يصبح النائب عضواً في أغلبيتها البرلمانية، ويُنتظر منه دعم البرنامج الحكومي وقوانين المالية ومشاريع القوانين التي تتبناها.
يظل حراً دستورياً في التصويت، لكنه يواجه قيوداً سياسية حقيقية: الانضباط داخل الفريق، والحفاظ على موقعه، والعلاقة مع القيادة، وإمكانية الحصول على التزكية مستقبلاً.
كما ينص الفصل 61 من الدستور على تجريد النائب الذي يتخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها.
لذلك فقول إن النائب مستقل تماماً عن الحزب غير دقيق سياسياً، مثلما أن القول إنه مجرد آلة تصويت بلا إرادة غير دقيق دستورياً.
الحقيقة تقع بينهما: يملك النائب صوتاً شخصياً، لكنه يمارس عمله داخل بنية حزبية تفرض عليه قدراً كبيراً من الانضباط.
حين يعد المرشح بما لا يملك
قبل الانتخابات، قد يعد المرشح بإنشاء مستشفى أو جامعة أو طريق أو منطقة صناعية. لكن السؤال ليس فقط: هل يريد ذلك؟ بل: هل يملك القرار والميزانية والاختصاص؟
إذا كان المشروع حكومياً، فتنفيذه يحتاج إلى قرار من الوزارة وإدراجه في البرمجة والميزانية. وإذا كان جماعياً، فيحتاج إلى مقرر المجلس واعتماد مالي وصفقة. وإذا كان مشتركاً، فيتطلب اتفاقية والتزامات واضحة من الأطراف.
أما النائب بمفرده فلا يستطيع إصدار أمر ببناء المشروع.
يمكنه أن يترافع ويضغط ويسائل ويقترح، لكن لا يملك ضمان النتيجة. لذلك ينبغي أن تكون وعوده دقيقة:
بدل قوله «سأبني مستشفى»، عليه أن يقول: «سأترافع لإدراج المستشفى في ميزانية الوزارة، وسأقدم سؤالاً وأتابع الالتزام وأنشر نتائجه».
وبدل «سأصلح الطريق»، يقول: «سأحدد الجهة المسؤولة، وأتابع برمجتها وتمويلها، وأحاسب القطاع الحكومي المعني».
الفرق ليس لغوياً، بل هو الفرق بين وعد قابل للمحاسبة وشعار انتخابي مضلل.
البرلماني ليس صندوقاً لتمويل الجمعيات
من مظاهر الخلط أيضاً تصور بعض المواطنين أن مهمة النائب هي توزيع المساعدات، وتمويل الجمعيات، والتوسط في الوظائف، وحل الملفات الفردية داخل الإدارات.
قد يقدم النائب مساعدة اجتماعية من ماله الخاص مثل أي مواطن، لكن ذلك ليس وظيفته الدستورية، ولا ينبغي أن يصبح معياراً لتقييم أدائه.
كما يمكنه توجيه مواطن إلى المسطرة القانونية أو مراسلة الإدارة بشأن تظلم، لكن لا يحق له التدخل لتجاوز القانون أو الحصول على امتياز غير مستحق.
حين يصبح تقييم البرلماني قائماً على عدد الولائم والمساعدات والتدخلات الشخصية، تختفي الأسئلة الحقيقية: كيف يصوت؟ كم سؤالاً قدم؟ ماذا كانت أجوبة الحكومة؟ هل حضر اللجان؟ ما القوانين التي اقترحها؟ وما موقفه من الميزانية والسياسات التي أضرت بدائرته؟
المساعدة الفردية قد تنتهي بانتهاء المناسبة، أما القانون الجيد فيحمي ملايين المواطنين.
النائب لا يعوض المجتمع المدني
الجمعيات والهيئات المهنية والسكان لهم دور أساسي في تشخيص الحاجات والترافع وإعداد المذكرات وتتبع المشاريع. وفي كثير من الحالات، يبدأ الملف من عريضة أو احتجاج أو دراسة أنجزها المجتمع المدني قبل أن يصل إلى المنتخبين.
لذلك لا يجوز للبرلماني أن يصادر هذا العمل بعد تبني الوزارة للمشروع، أو أن يمحو سنوات من ترافع الجمعيات والجماعات بمجرد نشر صورة أو بلاغ.
الترافع الناجح عملية تراكمية تشترك فيها أطراف متعددة: سكان يطرحون المشكلة، وجمعية توثقها، وجماعة تبرمج أو توفر العقار، ونائب ينقلها إلى البرلمان، ووزارة تعتمد التمويل، وإدارة تطلق الصفقة وتراقب التنفيذ.
اختزال هذه السلسلة في شخص واحد إهانة للمؤسسات ولذكاء المواطنين.
كيف نقيس حصيلة النائب فعلياً؟
الحصيلة البرلمانية لا تُقاس بعدد الصور مع الوزراء، ولا بعدد المشاريع التي حاول النائب وضع اسمه عليها، بل بمؤشرات واضحة يمكن التحقق منها:
- حضوره في الجلسات العامة واللجان.
- الأسئلة الكتابية والشفوية التي قدمها ومضمون أجوبة الحكومة عنها.
- مقترحات القوانين والتعديلات التي تقدم بها.
- مساهمته في مناقشة قوانين المالية والميزانيات القطاعية.
- مواقفه وتصويتاته في القوانين المؤثرة على المواطنين.
- مشاركته في المهام الاستطلاعية ولجان تقصي الحقائق وتقييم السياسات العمومية.
- الملفات المحلية التي ترافع بشأنها والوثائق التي تثبت ذلك.
- تواصله المنتظم مع السكان ونشر حصيلته، لا ظهوره الموسمي قبيل الانتخابات.
- قدرته على الدفاع عن مصالح دائرته عندما تتعارض مع راحة الحكومة أو توجه قيادة حزبه.
السؤال الذي يكشف حقيقة النائب ليس: كم مشروعاً نسب إلى نفسه؟ بل: ماذا فعل عندما كانت الحكومة التي يدعمها مطالبة بإنجاز ذلك المشروع؟
كيف نحاسب الجماعة؟
مقابل ذلك، تُحاسب الجماعة وفق أدوات مختلفة:
- هل أعدت برنامج عمل واضحاً وواقعياً؟
- ما المشاريع التي برمجتها، وما نسبة تنفيذها؟
- كيف أنفقت الميزانية؟
- هل احترمت أولويات السكان أم خضعت لحسابات انتخابية؟
- ما وضع النظافة والإنارة والطرق الجماعية والأسواق والمرافق المحلية؟
- هل نُشرت المقررات والميزانيات والاتفاقيات؟
- هل أشرك المجلس المجتمع المدني والسكان؟
- من يتحمل مسؤولية تأخر الصفقة أو تعثر المشروع؟
لا يجوز لرئيس الجماعة أن يختبئ خلف البرلماني في الملفات الداخلة ضمن اختصاصه، كما لا يجوز للنائب أن يسطو على إنجازات الجماعة.
المسؤولية تبدأ بتحديد صاحب الاختصاص، ثم فحص قراراته وميزانيته وحصيلته.
عندما يصبح قص الشريط حملة انتخابية
أكثر مظاهر الخلط وضوحاً تظهر عند تدشين المشاريع. فقد نجد إلى جانب المسؤول الإداري أو الوزير عدداً من النواب والمنتخبين، ثم يقدم كل واحد منهم المشروع إلى جمهوره كأنه ثمرة مجهوده الفردي.
لكن صورة الافتتاح لا تثبت صاحب الإنجاز.
المعيار هو الوثيقة: من صاحب المشروع؟ من موّله؟ متى بُرمج؟ من أطلق طلب العروض؟ من وقع الاتفاقية؟ وما التزامات كل طرف؟
قد يظهر شخص في الصورة لم يشارك في أي مرحلة، وقد يغيب عنها موظفون ومنتخبون وجمعيات ترافعوا سنوات حتى أصبح المشروع حقيقة.
لذلك لا ينبغي أن يتحول قص الشريط العمومي إلى شريط افتتاح لحملة انتخابية.
المشاريع التي تمولها الدولة والجماعات هي حق للمواطن، وليست صدقة من حزب أو برلماني. وأموالها تأتي من الضرائب والميزانية العامة، لا من الحساب الشخصي لمن يقف أمام الكاميرا.
البرلماني الحقيقي لا يخشى كشف تصويته
إذا كان النائب يمثل الأمة والدائرة، فعليه أن يشرح للناخبين كيف مارس هذه النيابة.
لا يكفي أن يخبرهم بأنه وجه سؤالاً عن طريق أو مستشفى. عليه أيضاً أن يوضح كيف صوت على قانون المالية الذي خصص أو لم يخصص الاعتمادات، وما موقفه من السياسات الحكومية المتعلقة بالغلاء والتشغيل والصحة والتعليم.
قد يكون النائب نشيطاً محلياً لكنه يصوت وطنياً على قرارات تضر القدرة الشرائية لسكان دائرته. وقد يرفع خطاباً نقدياً في المدينة، ثم يلتزم الصمت داخل فريقه البرلماني.
وهنا يظهر الصراع الحقيقي بين الدائرة والحزب.
إذا تعارض مطلب الساكنة مع توجه حزبه، فماذا يختار؟ وهل يستعمل حريته الدستورية في التصويت، أم يلتزم قرار الفريق حفاظاً على موقعه وتزكيته المقبلة؟
لا توجد إجابة واحدة تنطبق على جميع الحالات، لكن من حق الناخب معرفة الجواب قبل التصويت، لا بعده.
من يمثل النائب إذن؟
يمثل النائب الأمة دستورياً، وينقل قضايا دائرته سياسياً، ويعمل داخل حزبه تنظيمياً.
هذه المستويات الثلاثة لا تتطابق دائماً.
قد يطلب المواطن مشروعاً محلياً، بينما لا يضعه الحزب ضمن أولوياته. وقد يقتنع النائب بتعديل قانون، بينما يقرر الفريق التصويت ضده. وقد تتطلب مصلحة الدائرة انتقاد وزارة يقودها الحزب نفسه.
هنا تُختبر شخصية البرلماني: هل يكون مجرد رقم يكمل أغلبية التصويت، أم ممثلاً قادراً على الدفاع عن قناعاته ودائرته داخل مؤسسات الحزب والبرلمان؟
المطلوب ليس نائباً يدخل في حرب دائمة مع حزبه، ولا نائباً يتنكر للبرنامج الذي ترشح باسمه. المطلوب نائب صريح: يعلن حدود سلطته، ويفسر مواقفه، وينشر تصويتاته، ولا يَعِد بما لا يملك.
لا تحاسبوا النائب على الحفر.. حاسبوه على الصمت
المواطن يحتاج إلى التمييز بين من يقرر، ومن يمول، ومن ينفذ، ومن يراقب.
الجماعة تبرمج وتنفذ عدداً من خدمات القرب ضمن اختصاصاتها. والحكومة وقطاعاتها تنجز السياسات والمشاريع الوطنية والقطاعية. أما البرلمان فيشرّع ويراقب الحكومة ويقيم السياسات العمومية.
النائب لا يبني الطريق بيده، لكنه يستطيع مساءلة الوزير عن تعثرها. لا يشيد المستشفى، لكنه يستطيع الضغط لإدراجه في الميزانية ومراقبة تنفيذه. لا يوزع الوظائف، لكنه يشارك في صناعة قوانين وسياسات قادرة على خلق فرص شغل عادلة.
لذلك لا ينبغي محاسبته لأنه لم يتصرف كرئيس جماعة أو وزير، بل لأنه صمت عندما كان عليه أن يسأل، وغاب عندما كان عليه أن يحضر، وصوت ضد مصلحة المواطنين دون أن يشرح، ونسب إلى نفسه مشروعاً أنجزته مؤسسات أخرى.
ولا ينبغي مكافأة رئيس الجماعة لأنه «ترافع» عن خدمة تدخل أصلاً ضمن اختصاصه، بل يجب مطالبته ببرمجتها وتمويلها وتنفيذها ونشر حصيلتها.
حين يفهم المواطن الفرق بين البرلمان والجماعة والحكومة، تسقط نصف الوعود الكاذبة تلقائياً. وحين يطلب الوثيقة بدل الصورة، والاختصاص بدل الخطاب، والحصيلة بدل التدوينة، يصبح من الصعب تحويل المشروع العمومي إلى ملكية حزبية.
السؤال الصحيح ليس: من التقط الصورة بجانب المشروع؟ بل: من يملك الاختصاص، ومن وفر التمويل، ومن نفذ، ومن راقب، ومن سكت؟
عندها فقط نعرف من يمثل النائب، ومن يمثل الحزب، ومن يمثل المواطن فعلاً.




