من المسؤول عن اغتيال سيف الإسلام؟

خارج الحدود

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

  • حين يصبح تشتيت الأنظار جزءًا من الجريمة-

ليس اغتيال سيف الإسلام القذافي ( إن صحت الروايات المتداولة )حدثًا أمنيًا عابرًا، بل فعلًا سياسيًا بامتياز. فالرصاصة التي تستهدف شخصية بحجمه لا تُطلق فقط لإسكات فرد، بل لإعادة رسم مشهد كامل، ولتشتيت الأنظار عن الفاعل الحقيقي قبل أن تُطرح الأسئلة الصحيحة.
منذ الساعات الأولى بعد الحادث، سارع بعض الأطراف إلى توجيه الاتهام نحو فرنسا، في سيناريو بدا جاهزًا أكثر مما ينبغي. هذا التسريع في تحديد “المتهم” يطرح شكوكًا مشروعة: هل نحن أمام بحث جاد عن الحقيقة، أم أمام محاولة متعمدة لتضليلها؟
في علم السياسة، أول من يوجّه الاتهام غالبًا ليس الباحث عن العدالة، بل الباحث عن النجاة.
تشتيت الأنظار هنا لا يمكن فصله عن الجريمة نفسها. فالطرف الذي يملك القدرة على الاغتيال، يملك كذلك القدرة على إدارة الرواية الإعلامية المصاحبة له. ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الحقيقي: من كان متضررًا من بقاء سيف الإسلام حيًا؟
سيف الإسلام، رغم كل ما أُحيط به من جدل، كان يمثل مشروعًا سياسيًا يلقى قبولًا متزايدًا داخل ليبيا، بوصفه أحد آخر الرموز القادرة على إنتاج توافق وطني، أو على الأقل كسر حالة الانسداد السياسي. والأهم من ذلك، أنه كان يتجه نحو طرح فيدرالي لإدارة الدولة الليبية، وهو طرح يثير حساسية شديدة لدى أنظمة إقليمية تقوم على الحكم العسكري المركزي، وفي مقدمتها النظام الجزائري.
فالفيدرالية، من منظور هذا النظام، ليست مجرد صيغة حكم، بل خطر استراتيجي، لما تحمله من إمكانية انتقال عدواها سياسيًا وجغرافيًا. كما أن سيف الإسلام يمتلك معرفة دقيقة بالمناطق الجنوبية الليبية، وهي مناطق تتقاطع فيها مصالح ونفوذ إقليمي، ما يجعله عنصرًا غير مريح في أي معادلة مستقبلية.
توقيت الاغتيال يزيد الصورة تعقيدًا. فقد جاء بعد اجتماع دعت إليه الجزائر بشأن ليبيا، في محاولة لتكريس نفسها فاعلًا رئيسيًا في الملف الليبي. لكن اغتيال شخصية محورية مباشرة بعد هذا الاجتماع يبعث برسالة واضحة: لا استقرار في ليبيا خارج الحسابات الإقليمية الضيقة، ولا حل سياسي يُسمح له أن ينضج إذا لم يمر عبر بوابة معينة.
أما الروايات الأمنية، فتفتح بدورها باب الشك. الحديث عن دخول مسلحين عبر “الحدود” دون تحديدها، يترك فراغًا مقصودًا في السرد. لكن الجغرافيا لا تعرف المجاملة، والحدود الأكثر التصاقًا بمسرح الحدث هي الحدود الجزائرية. وعندما يُضاف إلى ذلك تداول رواية عن مقتل رائد جزائري خلال الهجوم، قيل إنه كان ضمن مجموعة ضباط دخلوا ليبيا قبل أسبوع، فإن الأمر يتجاوز حدود الصدفة، حتى وإن لم تؤكد هذه المعطيات رسميًا بعد.
في النهاية، قد لا يكون المسؤول عن اغتيال سيف الإسلام هو من ضغط الزناد فحسب، بل من خطط، وموّل، ووجّه السرد، ثم سارع إلى تشتيت الأنظار نحو خصم تقليدي. فالتضليل هنا ليس نتيجة للاغتيال، بل جزء من تنفيذه.
وإلى أن تنكشف الحقيقة كاملة، يبقى المؤكد أن اغتيال سيف الإسلام لم يكن استهدافًا لشخص، بل استهدافًا لمسار سياسي، ولإمكانية استقرار لا يريدها كثيرون في المنطقة.