في مشهد أقرب إلى مسرح العبث السياسي، يخرج علينا النظام العسكري الجزائري باقتراح “عبقري” يقضي بنقل مخيمات تندوف إلى المنطقة العازلة، وكأننا أمام عملية ترحيل أثاث منزلي لا قضية إنسانية عمرها نصف قرن. اقتراح يثير السخرية أكثر مما يثير الاهتمام، لأنه ببساطة يعكس ارتباكًا واضحًا ومحاولة مكشوفة للبحث عن مخرج بأي ثمن، حتى ولو كان ذلك على حساب من صنعهم واستثمر في مأساتهم لعقود.
الجزائر، التي ظلت لسنوات طويلة تتحدث بلسان “حق تقرير المصير”، يبدو أنها اليوم تبحث عن “حق تصريف الأزمة”. فحين تضيق الخيارات، تتحول المبادئ إلى عبء، وتصبح “البوليساريو” ورقة ثقيلة يجب التخلص منها، أو على الأقل إعادة تدويرها في رقعة جغرافية أخرى. وكأن نقل المخيمات سيغير من جوهر القضية أو يمحو سجلًا طويلًا من الاستغلال السياسي والإنساني.
الطريف في الأمر أن هذا المقترح يأتي تحت ضغط دولي، خاصة من واشنطن، التي سئمت من هذا الملف المزمن. لكن بدل مواجهة الحقيقة والاعتراف بأن المشروع الانفصالي وصل إلى طريق مسدود، اختار صناع القرار في الجزائر الالتفاف على الواقع بمناورة لا تقنع أحدًا. فالمغرب كان واضحًا، لا ترقيع ولا حلول تجميلية، بل حل جذري قائم على مبادرة الحكم الذاتي، التي تحظى بدعم متزايد دوليًا.
أما محاولة نقل المخيمات إلى المنطقة العازلة، فهي في جوهرها اعتراف ضمني بأن الوضع الحالي لم يعد قابلًا للاستمرار. لكنها أيضًا تعكس عقلية الهروب إلى الأمام، بدل تحمل المسؤولية التاريخية. فكيف لدولة تدّعي أنها “غير معنية بالنزاع” أن تقترح نقل مخيمات تقع فوق أراضيها؟ أليس في ذلك تناقض صارخ يفضح حقيقة الدور الجزائري؟
إن الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها هي أن زمن الأوهام قد انتهى. لم يعد ممكنًا تسويق نفس الخطاب القديم في عالم يتغير بسرعة. والمفارقة أن من زرع الشوك لعقود، بدأ اليوم يتألم من وخزه، ويحاول التخلص منه دون أن يجرح يديه.
لكن كما يقول المثل الأمازيغي: (ونا إبين تسطاط أجوروت) من قطع غصنًا من الشوك فليجره. والنظام الجزائري اليوم أمام نتيجة سياساته، لا يمكنه الهروب منها باقتراحات مرتجلة أو حلول ترقيعية. فالقضية أكبر من مجرد نقل مخيمات تضم أزيد من 70% من السكان ليسوا مغاربة بل مرتزقة، إنها مسألة مسؤولية، تاريخ، ومصداقية أمام العالم.
وفي النهاية، يبدو أن هذا المقترح لم يكن سوى رسالة غير مباشرة: الجزائر تبحث عن مخرج، لكن دون أن تعترف بأنها كانت أصل المشكلة. وهذا بالضبط ما يجعل المشهد مثيرًا للسخرية… ومفتوحًا على مزيد من الانكشاف، ولعلّ هذه الورطة تكون درسًا لكل من راهن على توتير العلاقات مع الجيران ودعم الانفصال.
بقلم: أحمد بومهرود، باحث في الإعلام والصناعة الثقافية