يدخل المنتخب المغربي مواجهة هولندا في دور الـ32 من كأس العالم 2026، محملا بآمال جمهور واسع يتابع “أسود الأطلس” بشغف كبير، ويؤمن أن ما تحقق في دور المجموعات ليس سوى خطوة أولى في طريق أكبر.
لكن هذه المباراة لا تخص اللاعبين وحدهم. إنها أيضا امتحان حقيقي للناخب الوطني محمد وهبي، الرجل الذي يجد نفسه أمام واحدة من أهم المحطات في مساره مع المنتخب الأول، بعدما قاد المغرب إلى الدور الثاني، وترك انطباعا واضحا بأن الطموح المغربي لم يعد يقف عند حدود المشاركة أو العبور.
أمام هولندا، سيكون وهبي مطالبا بأكثر من اختيار التشكيلة الرسمية. سيكون مطالبا بقراءة خصم قوي، وتدبير إيقاع مباراة إقصائية، واتخاذ قرارات دقيقة في لحظات قد تصنع التأهل أو تنهي الحلم.
من مدرب تكوين إلى قائد مشروع كبير
محمد وهبي ليس مدربا جاء من فراغ. مساره ارتبط كثيرا بالتكوين، وبالاشتغال الطويل مع الفئات السنية، وبالقدرة على فهم اللاعب الشاب وتطويره نفسيا وتكتيكيا.
هذه الخلفية تمنحه ميزة مهمة داخل المنتخب المغربي الحالي، لأن “أسود الأطلس” يجمعون بين خبرة لاعبين كبار وشباب صاعدين يحتاجون إلى من يمنحهم الثقة في اللحظات الكبرى.
وهبي يعرف جيدا معنى بناء المجموعة، لا فقط إدارة الأسماء. وهذا ما ظهر في طريقة تعامله مع المنتخب، وفي إصراره على أن المغرب لم يعد منتخبا صغيرا ينتظر المفاجأة، بل منتخبا يملك هوية وطموحا وقدرة على مواجهة الكبار.
إنجاز أقل من 20 سنة.. شهادة ميلاد مدرب كبير
قبل أن يصبح اسمه مرتبطا بالمنتخب الأول، صنع محمد وهبي واحدة من أهم صفحات الكرة المغربية في الفئات السنية، بعدما قاد منتخب أقل من 20 سنة إلى إنجاز عالمي غير مسبوق.
تتويج المغرب بكأس العالم لأقل من 20 سنة سنة 2025 لم يكن مجرد لقب عاديا، بل كان دليلا على أن المدرب يملك قدرة على تجهيز لاعبيه للمباريات الكبرى، وتحويل الضغط إلى طاقة إيجابية.
في تلك البطولة، واجه المغرب أسماء كبرى، وتجاوز محطات صعبة، قبل أن يبلغ النهائي ويفوز على الأرجنتين بهدفين دون رد. كانت تلك اللحظة رسالة قوية بأن وهبي لا يخاف المواعيد الكبيرة، وأنه يعرف كيف يزرع في لاعبيه فكرة الفوز، لا فكرة النجاة فقط.
رجل الأوقات الحرجة
قيمة محمد وهبي تظهر أكثر عندما تضيق المساحات وتتعقد الحسابات.
في مباريات الحسم، لا تكفي الخطط الورقية. يحتاج المدرب إلى هدوء، وإلى قدرة على قراءة تفاصيل صغيرة: متى يضغط؟ متى يتراجع؟ متى يغير مركز لاعب؟ ومتى يغامر بورقة هجومية؟
وهبي سبق أن أظهر هذه القدرة في محطات حساسة، سواء مع منتخب الشباب أو مع المنتخب الأول في كأس العالم الحالية. ففي مباراة هايتي، دفع المنتخب المغربي نحو خيار هجومي أوضح، بحثا عن الفوز وتعزيز الحضور في المجموعة، وأجرى تغييرات أكدت أن هدفه لم يكن مجرد ضمان التأهل، بل إنهاء الدور الأول بأفضل صورة ممكنة.
صحيح أن المغرب أنهى المجموعة ثانيا خلف البرازيل بفارق الأهداف، لكنه خرج من الدور الأول برصيد مهم من الثقة: تعادل أمام البرازيل، فوز على اسكتلندا، ثم فوز على هايتي.
ما الذي ينتظر وهبي أمام هولندا؟
مواجهة هولندا ستكون مختلفة عن مباريات دور المجموعات. المنتخب الهولندي يدخل اللقاء بثقة كبيرة بعد تصدر مجموعته، ويملك لاعبين قادرين على الضغط، والتحكم في الوسط، واستغلال المساحات خلف الأظهرة.
ولهذا، فإن أول اختبار ينتظر محمد وهبي سيكون في وسط الميدان. هل يمنح المغرب الأفضلية العددية في العمق؟ هل يعتمد على سرعة التحول الهجومي؟ هل يترك الكرة لهولندا ويراهن على الدفاع المنظم؟ أم يضغط عاليا منذ البداية؟
كل خيار يحمل مخاطره. الضغط العالي قد يربك الهولنديين، لكنه قد يترك مساحات خلف الدفاع. والتراجع قد يمنح المغرب صلابة أكبر، لكنه قد يسمح لهولندا ببناء اللعب براحة أكبر.
هنا تظهر قيمة المدرب: اختيار التوازن الصحيح في اللحظة المناسبة.
مفتاح المباراة: منع هولندا من التحكم في الإيقاع
المنتخب الهولندي يصبح خطيرا عندما يتحكم في إيقاع المباراة. إذا وجد الوقت الكافي لبناء الهجمات، ونقل الكرة من جهة إلى أخرى، فإنه يفرض على الخصم الجري كثيرا، ويفتح الثغرات مع مرور الدقائق.
دور وهبي سيكون منع هذا السيناريو. المغرب يحتاج إلى ضغط ذكي لا عشوائي، وإلى إغلاق ممرات التمرير نحو العمق، وإجبار هولندا على اللعب في مناطق أقل خطورة.
كما سيكون مهما ألا يفقد المنتخب المغربي الكرة بسهولة بعد استرجاعها، لأن هولندا تجيد استغلال الأخطاء الثانية، وتضغط بسرعة لاستعادة الكرة في مناطق متقدمة.
دياز وحكيمي والصيباري.. أوراق تحتاج إلى توظيف دقيق
محمد وهبي يملك أوراقا هجومية مهمة، لكن نجاحها مرتبط بطريقة توظيفها داخل المباراة.
إبراهيم دياز يمكن أن يكون مفتاحا بين الخطوط، لأنه يملك القدرة على استلام الكرة تحت الضغط، وتدوير جسده بسرعة نحو المرمى، وخلق حلول فردية في المساحات الضيقة.
أما أشرف حكيمي، فيبقى سلاحا أساسيا في الرواق، سواء في الانطلاقات أو الكرات العرضية أو الضغط العكسي، وهو ما قد يمنح المغرب منفذا مهما إذا أغلقت هولندا العمق.
إسماعيل الصيباري، الذي أظهر حضورا قويا في دور المجموعات، يمنح المنتخب المغربي طاقة إضافية في الربط بين الوسط والهجوم. لكن أمام هولندا، لن يكون المطلوب فقط اللمسة الجميلة، بل أيضا الانضباط في العودة، والذكاء في اختيار توقيت التقدم.
وهنا يظهر دور وهبي: ألا يسمح للموهبة بأن تتحول إلى اندفاع غير محسوب، وألا يقتل الإبداع بالخوف الزائد.
الحسم قد يأتي من الدكة
في مباريات خروج المغلوب، لا تبدأ القصة وتنتهي بالتشكيلة الرسمية. أحيانا تحسم المباراة من دكة البدلاء.
وهبي سيكون مطالبا بقراءة المباراة في وقتها الحقيقي. إذا تقدم المغرب، سيكون عليه حماية النتيجة دون أن يحاصر فريقه داخل منطق الدفاع فقط. وإذا تأخر، سيكون عليه التحرك بسرعة، وإدخال عناصر قادرة على تغيير الإيقاع.
كما أن المباراة قد تمتد إلى أشواط إضافية، ما يجعل تدبير الجهد عاملا حاسما. لذلك، سيكون توقيت التغييرات مهما بقدر أهمية اختيار اللاعبين.
الضغط النفسي.. امتحان لا يقل صعوبة
الجمهور المغربي ينتظر المباراة بشغف كبير. هذا الشغف يمنح اللاعبين دفعة قوية، لكنه يخلق أيضا ضغطا هائلا.
دور محمد وهبي لا يقتصر على الجوانب التكتيكية. عليه أن يهيئ لاعبيه ذهنيا لفكرة أن المباراة قد تعرف لحظات صعبة، وأن استقبال هدف لا يعني النهاية، وأن التسرع قد يكون أخطر من قوة الخصم.
أهم ما يحتاجه المغرب أمام هولندا هو الهدوء. منتخب يملك الجودة، والخبرة، والجمهور، لكنه يحتاج إلى عقل بارد في لحظات الحسم.
دروس دور المجموعات
دور المجموعات منح محمد وهبي عدة دروس مهمة.
أمام البرازيل، تأكد أن المغرب قادر على مقارعة الكبار دون عقدة. أمام اسكتلندا، تأكد أن الصبر والانضباط يمكن أن يمنحا الفوز في مباراة مغلقة. وأمام هايتي، ظهر أن المباريات التي تبدو أسهل على الورق قد تتحول إلى اختبار حقيقي إذا دخلها الخصم بلا ضغط.
هذه الدروس الثلاثة ستكون حاضرة أمام هولندا: الثقة أمام الكبار، الصبر في المواعيد المغلقة، والحذر من أي لحظة تراخ.
بين طموح الذهاب بعيدا وواقعية المباراة الواحدة
محمد وهبي تحدث بثقة عن طموح المغرب، وعن قدرة المنتخب على الذهاب بعيدا في البطولة. لكن أمام هولندا، سيكون المطلوب تحويل هذا الطموح إلى 90 دقيقة من التركيز والانضباط.
الأحلام الكبيرة تبدأ بمباراة واحدة. لا معنى للحديث عن الأدوار المقبلة إذا لم ينجح المغرب في عبور هولندا.
لذلك، فإن خطاب وهبي للاعبين يجب أن يكون واضحا: احترام كامل للخصم دون خوف، إيمان بالقدرة على الفوز دون تهور، ولعب بعقلية منتخب يعرف قيمته.
لماذا يثق المغاربة في وهبي؟
ثقة الجمهور في محمد وهبي لا تأتي فقط من نتائجه الحالية، بل من صورته كمدرب قريب من الجيل الجديد، يعرف تفاصيل اللاعب المغربي الحديث، ويفهم كيف يتعامل مع المواهب التي تكونت بين المغرب وأوروبا.
كما أن إنجازه مع منتخب أقل من 20 سنة منح الجماهير سببا إضافيا للإيمان به. مدرب فاز على الكبار في فئة الشباب، وتعلم كيف يتعامل مع ضغط النهائي، لا يدخل مواجهة هولندا خالي الوفاض.
هو يعرف أن المباريات الكبرى لا تربح بالأسماء فقط، بل بالإيمان، والانضباط، وتدبير التفاصيل الصغيرة.
لحظة قد تعزز صورة وهبي
أمام هولندا، لا ينتظر محمد وهبي اختبارا عاديا. إنها مباراة ستقيس قدرة المدرب على إدارة الضغط، وقراءة الخصم، واستثمار جودة اللاعبين المغاربة في لحظة إقصائية لا تقبل الخطأ.
المغرب يملك لاعبين قادرين على صناعة الفارق، لكنه يحتاج إلى خطة واضحة، وجرأة محسوبة، وهدوء كبير في اللحظات الصعبة.
وإذا نجح وهبي في إيجاد التوازن بين الدفاع المنظم والهجوم الذكي، وبين الطموح والواقعية، فإن مباراة هولندا قد تتحول من اختبار صعب إلى محطة جديدة في الحلم المغربي.
فالجمهور ينتظر بشغف، واللاعبون يعرفون حجم المسؤولية، ومحمد وهبي يقف أمام لحظة قد تعزز صورته كمدرب لا يصنع النتائج فقط، بل يصنع الثقة أيضا.

