صادق مجلس النواب، في جلسة تشريعية عقدها يوم الاثنين 6 يوليوز 2026، بالأغلبية، على مشروع القانون رقم 27.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، في خطوة تشريعية جديدة تهم واحدة من أكثر المهن ارتباطا بحرية التعبير، والمسؤولية المهنية، وتحولات الإعلام الرقمي.
وحسب المعطيات المنشورة على بوابة مجلس النواب، حظي مشروع القانون المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين بموافقة 85 نائبا، مقابل معارضة 35 نائبا، دون تسجيل أي امتناع عن التصويت. ويهم هذا النص، في عمقه، إعادة ضبط عدد من المفاهيم المرتبطة بصفة الصحافي المهني، وبطاقة الصحافة المهنية، والحقوق المادية والمعنوية للصحافيين.
كما صادق المجلس، في الجلسة نفسها، على مشروع القانون رقم 013.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وهو نص يكتسي أهمية خاصة في ظل اتساع القرصنة الرقمية، وتنامي البث غير المشروع للمحتويات الفنية والرياضية والإعلامية عبر المنصات والشبكات الإلكترونية.
تصويت بالأغلبية ورسالة سياسية واضحة
لا يتعلق الأمر بتعديل قانوني تقني فقط. فمرور المشروعين بالأغلبية داخل مجلس النواب يعكس توجها تشريعيا نحو إعادة ترتيب المجال الإعلامي والثقافي، في وقت تتداخل فيه الصحافة الورقية والإلكترونية، والمنصات الرقمية، والبث المباشر، وحقوق الاستغلال، مع أسئلة أكبر حول الحرية والمسؤولية وحماية الإبداع.
فالقانون الأول يقترب من جسم الصحافة المهنية: من هو الصحافي؟ ما شروط إثبات الصفة؟ كيف تُمنح البطاقة المهنية؟ وما موقع التكوين المستمر والحقوق المجاورة داخل ممارسة إعلامية لم تعد محصورة في الجريدة الورقية أو القناة التلفزية التقليدية؟
أما القانون الثاني، فيتجه نحو حماية المصنفات وحقوق المؤلفين والناشرين والفنانين ومنتجي المحتوى، في لحظة أصبحت فيها القرصنة الرقمية أكثر سرعة من المساطر التقليدية، وأصبح البث غير القانوني للمباريات والمواد السمعية البصرية تحديا حقيقيا أمام الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية.
النظام الأساسي للصحافيين.. تعريف أدق للمهنة
في تقديمه لمشروع القانون المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، أوضح كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، نيابة عن وزير الشباب والثقافة والتواصل، أن النص يندرج ضمن مواصلة إصلاح المنظومة القانونية المؤطرة لقطاع الصحافة والنشر، بما ينسجم مع الدستور، خاصة ما يتعلق بحرية التعبير والصحافة، ومع التزامات المغرب في مجال حقوق الإنسان وحماية الحقوق المهنية والاجتماعية للصحافيين.
وكانت وزارة الشباب والثقافة والتواصل قد أوضحت، عند مصادقة مجلس الحكومة على مشروع القانون رقم 27.25 في يوليوز 2025، أن النص يأتي لمواكبة التحولات العميقة التي يعرفها قطاع الصحافة والإعلام، ولتحيين الإطار التشريعي المنظم للمهنة بما ينسجم مع الواقع الجديد ويحمي مبادئ حرية الصحافة في إطار احترام القانون وأخلاقيات المهنة.
وتكمن إحدى أهم نقاط المشروع في تحيين وتدقيق التعريف القانوني للصحافي المهني، مع توسيع الاعتراف بمختلف فئات الصحافيين العاملين في الصحافة المكتوبة والإلكترونية والسمعية البصرية ووكالات الأنباء. وهذا التعديل مهم، لأن جزءا كبيرا من الممارسة الإعلامية انتقل فعليا إلى الفضاء الرقمي، بينما ظلت بعض المفاهيم القانونية مرتبطة بمرحلة إعلامية سابقة.
بمعنى آخر، يحاول النص أن يقرّب القانون من واقع المهنة. فالصحافي اليوم قد يشتغل داخل جريدة إلكترونية، أو منصة سمعية بصرية، أو وكالة أنباء، أو مؤسسة إعلامية متعددة الوسائط. ومن دون تعريف قانوني واضح، تبقى الحدود بين الصحافي المهني، وصانع المحتوى، والناشط الرقمي، والمراسل غير المهني، قابلة للالتباس.
بطاقة الصحافة المهنية.. حماية للصفة أم تشديد للمسطرة؟
من أبرز ما يحمله مشروع القانون كذلك تدقيق مسطرة منح بطاقة الصحافة المهنية، وتوضيح بعض الشروط القانونية وحالات فقدان الأهلية. والهدف المعلن هو حماية المهنة من انتحال الصفة وصيانة مصداقية البطاقة المهنية باعتبارها الوسيلة القانونية لإثبات صفة الصحافي المهني.
هذا الجانب يهم الجسم الصحفي مباشرة. فبطاقة الصحافة ليست مجرد وثيقة إدارية، بل هي اعتراف قانوني بالصفة المهنية، وتترتب عنها حقوق وواجبات، كما ترتبط بالولوج إلى المعلومة، وتغطية الأحداث، والتعامل مع المؤسسات العمومية والخاصة.
لكن هذا الورش يطرح في الوقت نفسه سؤال التوازن: كيف نحمي المهنة من الدخلاء ومن انتحال الصفة دون أن تتحول المسطرة إلى تضييق على الصحافيين الحقيقيين، خصوصا العاملين في المقاولات الصغيرة أو الصحافة الجهوية أو الإعلام الإلكتروني؟
هنا تظهر أهمية التطبيق. فالنص القانوني قد يحمل أهدافا إيجابية، لكن قيمته العملية ستتحدد بطريقة تنزيله، وبمدى وضوح المعايير، وشفافية المساطر، وسرعة البت في الطلبات، وقدرة المؤسسات المكلفة على التعامل مع تنوع المشهد الإعلامي المغربي.
حقوق الصحافيين في قلب النص
يتضمن المشروع أيضا مقتضيات تهم الحقوق المادية والمعنوية للصحافيين، من خلال التنصيص على حقهم في الاستفادة من حقوق المؤلف والحقوق المجاورة وفق التشريع الجاري به العمل. وهذه نقطة لافتة، لأن كثيرا من الإنتاج الصحفي، خصوصا في البيئة الرقمية، يعاد استعماله أو نسخه أو استغلاله دون احترام كاف لحقوق أصحابه.
فالصحافي لا ينتج خبرا فقط، بل ينتج مادة فكرية ومهنية: تحقيق، صورة، فيديو، تحليل، حوار، أو معالجة صحفية. ومع انتشار النسخ السريع للمحتوى بين المواقع والمنصات، أصبح سؤال الحقوق أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
من هذه الزاوية، يلتقي مشروع قانون الصحافيين مع مشروع قانون حقوق المؤلف. الأول يعترف بمكانة الصحافي داخل منظومة المهنة، والثاني يحاول حماية المنتوج الإبداعي والإعلامي من القرصنة والاستغلال غير المشروع.
حقوق المؤلف.. القانون يدخل عصر البث الرقمي
أما مشروع القانون رقم 013.26 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، فيأتي في سياق مختلف لكنه متصل. فالمغرب لم يعد يواجه فقط نسخ الكتب أو الأقراص أو الأعمال الفنية، بل يواجه أنماطا جديدة من القرصنة: بث مباشر غير مرخص، روابط مقرصنة، استغلال غير قانوني للمحتويات عبر الشبكات الاجتماعية، ونقل غير مشروع للمباريات والتظاهرات الرياضية.
وحسب معطيات نشرتها SNRTnews استنادا إلى المذكرة التقديمية للمشروع، فإن النص يسعى إلى مواكبة التحولات الرقمية في استغلال المصنفات الأدبية والفنية، من خلال تطوير تدابير وقائية وزجرية، وإرساء آليات فعالة لتدخل القضاء من أجل منع أو إيقاف أو إنهاء أي خرق للحقوق المحمية، خصوصا في البيئة الرقمية التي تتميز بسرعة انتشار المحتويات غير المشروعة وصعوبة تتبعها.
ويبرز المشروع بشكل خاص قرصنة البث المباشر باعتبارها من أهم مظاهر التحولات الجديدة، خاصة ما يتعلق بنقل المباريات والتظاهرات الرياضية بشكل غير قانوني. ويكتسي هذا المعطى أهمية مضاعفة في ظل استعداد المغرب لاحتضان استحقاقات رياضية كبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030، وما يفرضه ذلك من حماية أكبر لحقوق البث والاستغلال.
تعاريف جديدة لمواجهة قرصنة جديدة
من الناحية القانونية، لا يمكن محاربة ظاهرة متحولة بمفاهيم قديمة. لذلك يتجه مشروع قانون حقوق المؤلف إلى تحيين عدد من التعاريف، من بينها البث المباشر، والتسجيل السمعي البصري، والقرصنة الرقمية، بما ينسجم مع طبيعة الاستغلال الجديد للمحتويات.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن المشروع يوسع مفهوم البث الإذاعي والتلفزي ليشمل مختلف أشكال التبليغ إلى الجمهور بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصة عبر الأقمار الاصطناعية والشبكات الإلكترونية. كما يدقق مفهوم القرصنة باعتبارها كل استغلال غير مرخص لمصنف أو أداء أو تسجيل صوتي أو سمعي بصري، بأي وسيلة، بما في ذلك الوسائل الرقمية أو عبر الإنترنت.
هذه التحيينات ليست تفصيلا لغويا. فهي تمنح القضاء والسلطات المختصة والمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة قاعدة أوضح للتعامل مع ممارسات كانت تفلت سابقا بسبب سرعة التقنية أو غموض التكييف القانوني.
القضاء الاستعجالي والوسطاء التقنيون
من أهم المستجدات التي يحملها مشروع القانون المتعلق بحقوق المؤلف تمكين القضاء من إصدار أوامر بمنع أو إيقاف أو إنهاء الخروقات المرتبطة بالحقوق المحمية، بما في ذلك الخروقات التي تتم عبر النقل إلى الجمهور أو الوسائط الرقمية.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن هذه الأوامر يمكن أن توجه، عند الاقتضاء، إلى كل شخص ذاتي أو اعتباري يستطيع، بحكم وظيفته أو اختصاصه، إيقاف هذا النقل. وهذا يعني أن الوسطاء التقنيين قد يجدون أنفسهم معنيين بتنفيذ أوامر قضائية لإزالة محتوى غير مشروع أو وقف بث مقرصن.
هذه النقطة مهمة جدا، لأن القرصنة الرقمية لا تنتظر أحكاما طويلة. فبث مباراة أو حفل أو عمل فني يمكن أن ينتهي في ساعات، وإذا لم يكن التدخل سريعا، يصبح الحكم اللاحق بلا أثر عملي. لذلك، فإن إدخال آلية فورية أو استعجالية يهدف إلى جعل الحماية القانونية مواكبة لسرعة الخرق الرقمي.
الجمارك وحماية السوق من السلع المقرصنة
لا يتوقف النص عند العالم الرقمي فقط، بل يمدد الحماية إلى السلع المشتبه في كونها مقلدة أو مقرصنة. فالمشروع يتضمن مقتضيات تعزز تدخل إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، مع إمكانية تمديد أجل توقيف التداول الحر لسلع مشكوك في كونها تمس بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، بصورة استثنائية وبناء على طلب معلل.
هذا الجانب يهم السوق الثقافية والإبداعية، لكنه يهم أيضا الاقتصاد المنظم. فالقرصنة لا تضر فقط بالمبدع أو المنتج، بل تضر بالدولة من حيث الضرائب، وبالمقاولات التي تستثمر بشكل قانوني، وبالمستهلك الذي قد يحصل على منتوج غير مضمون الجودة أو المصدر.
عقوبات وغرامات.. تشديد واضح ضد الاستغلال التجاري غير المشروع
على مستوى العقوبات، تشير المعطيات المنشورة إلى أن المشروع يراجع المقتضيات الزجرية لتشمل صورا مختلفة من الاستغلال غير المشروع، خاصة المرتبطة بالقرصنة الرقمية.
وبحسب SNRTnews، ينص المشروع على عقوبات قد تصل إلى الحبس من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة من 10 آلاف إلى 100 ألف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين، في حالة الخرق المتعمد لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة بقصد الاستغلال التجاري. كما يمكن أن تصل العقوبة في حالة العود إلى الحبس من سنة إلى أربع سنوات وغرامة من 60 ألفا إلى 600 ألف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين.
كما يتيح المشروع لصاحب الحقوق الاختيار بين التعويض عن الأضرار الفعلية، مع الأرباح الناتجة عن النشاط الممنوع، أو التعويض المحدد سلفا بين 5 آلاف و25 ألف درهم.
هذه الأرقام تكشف أن المشرع يريد الانتقال من حماية رمزية إلى حماية ذات أثر مالي وزجري واضح، خصوصا في مواجهة من يجعل من القرصنة نشاطا تجاريا منظما.
لماذا يهم هذا القانون الناشرين والصحافيين؟
بالنسبة للمقاولات الصحفية، خصوصا المواقع الإلكترونية، يهم هذا الورش من زاويتين.
الأولى أن مشروع قانون الصحافيين يعيد ضبط الصفة المهنية، وهو ما ينعكس على وضعية العاملين داخل المقاولات الإعلامية، وعلى علاقة الصحافي بالمؤسسة وبالمجلس أو الجهة المكلفة بمنح البطاقة المهنية.
الثانية أن قانون حقوق المؤلف يفتح بابا أكبر لحماية المحتوى الصحفي من النسخ والاستغلال غير المشروع. فكثير من المواقع تبذل جهدا في إنتاج الأخبار والتحقيقات والصور والفيديوهات، ثم تجد محتواها منسوخا أو مستعملا دون إذن أو إحالة أو احترام للحقوق.
لكن الاستفادة الحقيقية من هذه الحماية ستحتاج إلى وعي داخل المؤسسات الصحفية نفسها: توثيق الإنتاج، حفظ الأرشيف، وضع سياسات واضحة لإعادة النشر، وتتبع الانتهاكات بطريقة قانونية لا انفعالية.
الإصلاح لا يكتمل بالنص وحده
رغم أهمية المشروعين، فإن التجربة تؤكد أن القانون وحده لا يكفي. فالمهنة تحتاج إلى نصوص واضحة، نعم، لكنها تحتاج أيضا إلى مؤسسات قادرة على التطبيق، ومساطر شفافة، وقضاء سريع في الملفات الرقمية، وتكوين مستمر للصحافيين والناشرين والمبدعين حول حقوقهم وواجباتهم.
كما أن حماية الصحافة لا ينبغي أن تُختزل في ضبط الصفة أو محاربة انتحالها. فالصحافة المهنية تحتاج كذلك إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية، ودعم المقاولات الجادة، وتشجيع التكوين، وضمان الولوج إلى المعلومة، وحماية الصحافي من الهشاشة والضغط غير المشروع.
أما حماية حقوق المؤلف، فلا يجب أن تتحول إلى سيف مسلط على الاستعمال المشروع أو الاقتباس القانوني أو حرية النقد، بل ينبغي أن تستهدف القرصنة والاستغلال التجاري غير المرخص، مع الحفاظ على التوازن بين حماية الإبداع وحق الجمهور في الوصول إلى المعرفة والمعلومة.
مرحلة جديدة تنتظر التنزيل
مصادقة مجلس النواب على المشروعين تفتح مرحلة تشريعية جديدة، لكنها لا تنهي النقاش. فالنصوص القانونية ستحتاج إلى استكمال المسار الدستوري والمؤسساتي، ثم إلى تنزيل عملي يحدد هل ستتحول هذه المقتضيات إلى حماية فعلية للصحافيين والمبدعين والناشرين، أم ستظل مجرد تعديلات على الورق.
الأكيد أن المشهد الإعلامي والثقافي تغير بسرعة أكبر من القوانين. الصحافة أصبحت رقمية ومتعددة الوسائط، والمحتوى صار ينتقل في ثوان، والقرصنة لم تعد محصورة في نسخ تقليدية، بل أصبحت شبكات وروابط وبثا مباشرا ومنصات عابرة للحدود.
لذلك، يحمل التصويت الأخير رسالة واضحة: المغرب يحاول تحديث القاعدة القانونية التي تؤطر الصحافة والإبداع في زمن رقمي شديد التحول. غير أن الرهان الحقيقي سيبقى في التطبيق: حماية المهنة دون تضييق، حماية الحقوق دون تعسف، ومواجهة القرصنة دون المساس بحرية التعبير والصحافة.



