اختار وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، فتح حوار جديد مع النقابات التعليمية الأكثر تمثيلية، عبر استدعائها لعقد جولات متتالية ضمن أعمال اللجنة العليا واللجنة التقنية. يأتي هذا التحرك كاستكمال لنتائج اللقاء الأخير الذي جمع الطرفين في السابع من أبريل الماضي، حيث أُثيرت ملفات ثقيلة وظلت معلقة لسنوات، من أبرزها التعويضات التكميلية، والتعويض عن العمل بالمناطق النائية، والطي النهائي لملف العرضيين السابقين بجميع أفواجهم مع جبر الضرر، فضلاً عن تسوية الرتب، والنظام الأساسي لهيئة المبرزين، وملفات المساعدين التربويين، ودكاترة التعليم المدرسي، والمفتشين المدمجين، والمتصرفين التربويين.
وتسود أوساط النقابات حالة من الرصد بعدما أبدت الوزارة “مرونة غير مسبوقة” في التعامل مع هذه الملفات المطلبية، مبدية التزاماً صريحاً بجدولة زمنية محددة لتطبيق بنود اتفاقي 10 و26 دجنبر 2023 بالكامل. كما قدمت الوزارة دراسة خاصة بالتعويض عن العمل في المناطق النائية ووعدت بالحسم النهائي في هذا الملف قريباً. غير أن هذا التحول المفاجئ في التعامل الرسمي طرح تساؤلات حادة لدى الشغيلة التعليمية حول الأهداف الحقيقية من وراء هذا الانفتاح.
ويرى المتابعون للشأن التعليمي أن توقيت الدعوة الحكومية يحمل أبعاداً سياسية واضحة، بالنظر إلى الاقتراب التدريجي من موعد الاستحقاقات الانتخابية، وفي وقت ظل فيه قطاع التعليم مركزاً للاحتجاجات والإضرابات المتتالية التي أثرت بشكل مباشر على أداء المدرسة العمومية. وفي هذا السياق، أكد فاعل نقابي أن الغرض الأساسي للوزارة في هذه المرحلة هو تهدئة الجبهة الاجتماعية وتفادي تصاعد الاحتقان قبل الاستحقاقات الانتخابية، مشيراً إلى أن الحلول التي تُعرض اليوم كان بالإمكان اعتمادها منذ عام كامل. بينما أضاف صوت نقابي آخر أن الشغيلة تبحث عن نصوص وممارسات فعلية لا عن وعود شفوية، خاصة وأن سير اللجان التقنية يتسم بالبطء الشديد أثناء التنزيل العملي.
و أمام هذه المعطيات، تجد النقابات الخمس نفسها في موضع لا تحسد عليه؛ فاستمرارها في التصعيد الاحتجاجي قد يُفسر سياسياً على أنه توظيف للقطاع قبيل الانتخابات، بينما القبول المباشر بالمقترحات المعروضة قد يظهر وكأنه تسليم بتهدئة مجانية. ورغم ذلك، آثرت التنظيمات النقابية استكمال التواجد داخل اللجان التقنية، مع رفع شرط أساسي يتجسد في ضرورة وجود التزام حكومي ومالي صريح قبل توقيع أي اتفاق جديد.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يتردد اليوم بين رجال ونساء التعليم: هل تحمل خطوات الوزير محمد سعد برادة نية حقيقية لإصلاح المنظومة التعليمية بالمغرب، أم أنها مجرد مسكنات مؤقتة لامتصاص الغضب وتلميع الصورة قبل الموعد الانتخابي؟ الإجابة ستتضح خلال الأيام القادمة، مع ارتقاب صرف التعويضات وتفعيل مقتضيات النظام الأساسي على أرض الواقع.




