لم تعد السيارة الكهربائية خبراً جانبياً داخل صناعة السيارات، بل أصبحت رقماً يغيّر حسابات المصنعين والحكومات والمستهلكين. فبعد سنوات من النقاش حول الأسعار والبطاريات والبنية التحتية للشحن، تشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى أن السوق العالمي يتجه في 2026 إلى عتبة جديدة: نحو 23 مليون سيارة كهربائية مبيعة، أي ما يقارب 30% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة في العالم.
23 مليون سيارة.. رقم يكشف تغير ميزان السوق
بحسب وكالة الطاقة الدولية، تتجه مبيعات السيارات الكهربائية عالمياً إلى بلوغ حوالي 23 مليون وحدة في 2026، بعد أن تجاوزت 20 مليون سيارة في 2025. وهذا يعني أن المركبات الكهربائية، بما فيها الكهربائية بالكامل والهجينة القابلة للشحن، لم تعد فئة محدودة داخل السوق، بل أصبحت قريبة من تمثيل ثلاث سيارات من كل عشر سيارات جديدة تباع عالمياً.
ما الذي يدفع هذا النمو؟
تجمع عدة عوامل هذا التحول: انخفاض كلفة البطاريات تدريجياً، توسع النماذج المعروضة في فئات سعرية مختلفة، ارتفاع أسعار الوقود في بعض الأسواق، وتشديد السياسات البيئية في دول عدة. كما أن المنافسة الصينية القوية دفعت الأسعار إلى الانخفاض، وفتحت الباب أمام سيارات كهربائية أكثر قرباً من قدرة المستهلك العادي مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات قليلة.
الصين في موقع القيادة
تظل الصين المحرك الأكبر لهذا النمو. فهي لا تمثل فقط سوقاً ضخماً للسيارات الكهربائية، بل أصبحت أيضاً قاعدة إنتاج وتصدير رئيسية. وتستفيد الشركات الصينية من سلاسل توريد قوية في البطاريات، ومن منافسة داخلية شرسة جعلت الأسعار أكثر ضغطاً على المصنعين العالميين، خصوصاً في أوروبا وآسيا.
أوروبا تتحرك.. لكن بتحديات مختلفة
في أوروبا، يتقدم التحول الكهربائي وسط مزيج من التشريعات البيئية، دعم البنية التحتية، وارتفاع اهتمام المستهلكين بالبدائل الأقل اعتماداً على الوقود. غير أن القارة تواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالسعر، سرعة نشر محطات الشحن، ومنافسة السيارات الصينية منخفضة التكلفة، إضافة إلى حاجة الشركات الأوروبية إلى حماية قدرتها الصناعية في مجال البطاريات.
الولايات المتحدة.. سوق أقل انتظاماً
على عكس الصين وأوروبا، تبدو السوق الأمريكية أكثر تذبذباً. فمبيعات السيارات الكهربائية ترتبط بقوة بالحوافز الضريبية، أسعار الفائدة، وتفضيلات المستهلكين نحو الشاحنات الكبيرة والسيارات الرياضية متعددة الاستعمالات. لذلك، فإن نمو السوق العالمي لا يعني بالضرورة أن كل المناطق تتحرك بالسرعة نفسها.
هل يعني ذلك نهاية السيارات التقليدية؟
رغم قوة الأرقام، لا تعني توقعات 2026 نهاية قريبة للسيارات العاملة بالبنزين والديزل. فهذه المركبات ستبقى حاضرة في أسواق كثيرة، خصوصاً حيث البنية التحتية للشحن ضعيفة أو القدرة الشرائية محدودة. لكن الاتجاه العام يظهر أن حصة السيارات الكهربائية في المبيعات الجديدة تتوسع باستمرار، ما يفرض على الشركات التقليدية إعادة ترتيب استثماراتها.
المغرب والمنطقة.. فرصة أم انتظار؟
بالنسبة للمغرب والمنطقة، تفتح هذه التحولات أسئلة عملية: هل ستواكب البنية التحتية للشحن سرعة السوق؟ وهل ستدخل السيارات الكهربائية بأسعار تنافسية أكثر؟ كما أن موقع المغرب في صناعة السيارات يمنحه فرصة لمراقبة التحول العالمي عن قرب، خصوصاً مع تزايد أهمية سلاسل التوريد المرتبطة بالبطاريات والمكونات الكهربائية.
ما الذي يجب أن ينتبه إليه المستهلك؟
شراء سيارة كهربائية لا ينبغي أن يقوم على الموضة فقط. فالمستهلك يحتاج إلى مقارنة مدى القيادة، كلفة الشحن، توفر الصيانة، الضمان، وسعر إعادة البيع. كما يجب النظر إلى نمط الاستعمال اليومي: هل السيارة للمدينة فقط؟ هل توجد محطة شحن منزلية أو قريبة؟ وهل الرحلات الطويلة متكررة؟ هذه التفاصيل قد تحدد إن كانت السيارة الكهربائية اختياراً مناسباً فعلاً.
توقع وصول مبيعات السيارات الكهربائية إلى 23 مليون وحدة في 2026 يعكس تحولاً عميقاً في صناعة السيارات، لكنه لا يلغي التحديات. فنجاح هذا التحول سيعتمد على الأسعار، الشحن، البطاريات، والسياسات الحكومية، إلى جانب قدرة المستهلكين على إيجاد سيارات كهربائية تناسب احتياجاتهم اليومية لا مجرد أرقام السوق العالمية.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله