هذا المقال من رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن توجه .

قصة سكينة بنجلون… بين الخطأ وحق الإنسان في العدالة

كُتّاب وآراء

عبدالله بن عيسى

ليست كل قصة تُستعاد من أجل الإثارة، ولا كل اسم يُتداول ينبغي أن يتحول إلى مادة للشماتة أو التشفّي. حين عادت قصة سكينة بنجلون إلى النقاش العمومي، انقسمت الآراء سريعًا بين من يختزلها في خطأ، ومن يراها درسًا قاسيًا في تقلبات الحياة. غير أن المقاربة الأعمق تقتضي الابتعاد عن الأحكام الجاهزة، والتذكير بحقيقة بسيطة: الجميع يُخطئ، لكن الجميع يستحق العدالة والإنصاف.

في المجتمعات الحديثة، لا يُقاس الرقي فقط بصرامة القوانين، بل أيضًا بمدى قدرتها على التفريق بين المحاسبة والانتقام، وبين النقد والتشهير. فحين يتحول الخطأ إلى وصمة أبدية، يفقد المجتمع جزءًا من إنسانيته.

الخطأ لا يلغي الكرامة

من السهل إصدار الأحكام خلف الشاشات، ومن الأصعب أن نضع أنفسنا مكان من يعيشون لحظة السقوط. الخطأ، مهما كان نوعه، لا يُلغي كرامة صاحبه، ولا يسقط عنه صفته الإنسانية. العدالة، في جوهرها، لا تقوم على العاطفة ولا على الغضب، بل على التوازن: محاسبة عادلة، وإتاحة فرصة حقيقية للتصحيح.

حين نُصرّ على اختزال إنسان في لحظة ضعف، فإننا نغفل حقيقة أن حياة البشر لا تختصر في عنوان أو واقعة. لكل قصة سياقها، ولكل قرار خلفياته، ولكل سقوط ظروفه. والوعي المجتمعي يبدأ حين نُدرك أن العقاب القانوني – إن وُجد – هو من اختصاص المؤسسات، لا منابر التواصل.

بين النقد المشروع وثقافة الشماتة

لا أحد يُطالب بتبرير الأخطاء أو تجاهل آثارها. النقد مشروع، والمساءلة ضرورة. لكن ثمة فرقًا واضحًا بين النقد المسؤول وبين الشماتة التي تُحوّل المعاناة إلى مشهد استعراضي. في لحظات السقوط، يكون الإنسان في أمسّ الحاجة إلى محيط يوازن بين الحزم والرحمة، بين الوضوح والدعم.

المجتمع الذي يُشهر بكل من تعثر، يُرسل رسالة خوف لا رسالة إصلاح. أما المجتمع الذي يُصرّ على العدل حتى مع من أخطأ، فإنه يرسّخ قيمة أساسية: القانون يُطبَّق على الجميع، لكن الكرامة لا تُسلب من أحد.

العدالة حق لا يسقط بالخطأ

العدالة ليست امتيازًا يُمنح للمتفوقين فقط، بل حق أصيل لكل إنسان، مهما كانت أخطاؤه. في كل قضية تُثار، ينبغي أن يكون معيارنا ثابتًا: احترام المساطر، افتراض البراءة إلى أن يثبت العكس، وضمان محاكمة عادلة بعيدًا عن ضغط الرأي العام.

الانفعال الجماعي قد يُربك الصورة، لكنه لا يجب أن يحلّ محل المؤسسات. فالدول التي تحمي حق المتهم في الدفاع، وتحمي حق المجتمع في المحاسبة، هي الدول التي تبني الثقة في منظومتها القانونية.

دروس تتجاوز الأشخاص

قصة سكينة بنجلون – مثل غيرها من القصص التي عرفها الرأي العام – تطرح أسئلة تتجاوز الاسم ذاته. كيف نُحصّن أبناءنا وبناتنا من القرارات المتسرعة؟ كيف نُعزز ثقافة التفكير قبل الفعل؟ وكيف نُوازن بين الطموح والمسؤولية؟

الوعي لا يُبنى بالخوف وحده، بل بالتربية على القيم، وبإدراك أن السمعة تُصان بالسلوك، وأن الاستقلال لا يعني القطيعة مع الحكمة. كما أن الدعم الأسري والاجتماعي ليس ضعفًا، بل شبكة أمان حين تضيق الخيارات.

التعاطف لا يعني التبرير

التعاطف مع من أخطأ لا يعني تبرير خطئه، بل الاعتراف بإنسانيته. يمكننا أن نرفض الفعل ونُدين التجاوز، وفي الوقت نفسه نُطالب بإنصاف الشخص، وبمنحه فرصة للعودة والتصحيح. فالمجتمع الذي يغلق الأبواب نهائيًا أمام من تعثر، يدفعهم أحيانًا إلى مزيد من الهشاشة بدل الإصلاح.

كلنا، بدرجات متفاوتة، مررنا بلحظات تردد أو سوء تقدير. الفرق بيننا ليس في العصمة، بل في كيفية التعلم من التجربة. ولهذا، فإن ضمان العدل – حتى لمن أخطأ – هو ضمان لاستقرار المجتمع ككل.

ليست الغاية من استحضار هذه القصة إثارة الجدل، بل إعادة التأكيد على مبدأ جوهري:
الخطأ لا يُسقط حق الإنسان في العدالة، ولا يُجيز لنا نزع إنسانيته.

المحاسبة مطلوبة، نعم…لكن العدل واجب، والكرامة خط أحمر.

في النهاية، قد نختلف في التقييم، لكن علينا أن نتفق على شيء واحد:
أن نُبقي ميزان العدالة قائمًا، حتى – وربما خاصة – حين يتعلق الأمر بمن أخطأ.