بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في أقل من عقدين، تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي من أدوات بسيطة للتعارف والتواصل إلى فضاءات رقمية هائلة تشكّل جزءاً أساسياً من حياة البشر اليومية. فمع انتشار الهواتف الذكية والإنترنت السريع، بات ملايين الأشخاص يقضون ساعات طويلة يومياً على منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ساهمت هذه المنصات فعلاً في تقريب المسافات بين الناس، أم أنها أصبحت آلة تلتهم وقتنا وتشتّت انتباهنا؟
من جهة أولى، لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي لعبته مواقع التواصل في تقوية الروابط الإنسانية. فقد أصبحت وسيلة سهلة للبقاء على اتصال مع الأصدقاء والعائلة مهما كانت المسافات بعيدة. يستطيع الطالب الذي يدرس في بلد آخر أن يتواصل يومياً مع أسرته، ويمكن للأصدقاء القدامى أن يجدوا بعضهم بعد سنوات من الانقطاع. كما ساهمت هذه المنصات في نشر المعرفة بسرعة غير مسبوقة، وفتحت المجال أمام تبادل الأفكار والثقافات، بل وأصبحت أداة للتعبير عن الرأي والمشاركة في النقاشات العامة.
إضافة إلى ذلك، وفّرت مواقع التواصل فرصاً جديدة في مجالات العمل والتعليم. فقد ظهرت مهن كاملة مرتبطة بصناعة المحتوى الرقمي، كما أصبحت المنصات وسيلة للتسويق والترويج للمشاريع الصغيرة. كذلك يستخدمها المعلمون والطلاب لمشاركة الدروس والمواد التعليمية، مما جعلها جزءاً من المنظومة التعليمية الحديثة.
لكن في المقابل، يزداد القلق من تأثير هذه المنصات على الوقت والتركيز. تشير دراسات عديدة إلى أن المستخدم العادي يقضي عدة ساعات يومياً في تصفح المحتوى، وغالباً دون هدف واضح. فالتصميم الذكي لهذه التطبيقات يعتمد على إشعارات مستمرة ومحتوى لا ينتهي، مما يدفع المستخدم للبقاء أطول فترة ممكنة على الشاشة. ومع مرور الوقت، يتحول الاستخدام من وسيلة للتواصل إلى عادة يومية قد تستهلك جزءاً كبيراً من الوقت.
كما يلفت مختصون في علم النفس إلى أن الإفراط في استخدام مواقع التواصل قد يؤدي إلى الشعور بالإجهاد الذهني أو المقارنة المستمرة بالآخرين، خصوصاً لدى فئة الشباب. فالمحتوى المعروض غالباً ما يُظهر لحظات مثالية من حياة الآخرين، ما قد يخلق صورة غير واقعية عن الحياة ويؤثر في تقدير الذات لدى بعض المستخدمين.
إلى جانب ذلك، قد تؤثر هذه المنصات أيضاً على العلاقات الاجتماعية المباشرة. فبدلاً من اللقاءات الواقعية والحوار المباشر، يكتفي كثير من الناس بالتواصل عبر الرسائل أو التعليقات، مما قد يضعف الروابط الإنسانية الحقيقية مع مرور الوقت.
ورغم هذه التحديات، لا يمكن القول إن مواقع التواصل هي مشكلة بحد ذاتها. فالأمر يعتمد في النهاية على طريقة الاستخدام. عندما تُستخدم باعتدال وبهدف واضح، يمكن أن تكون وسيلة قوية للتعلم والتواصل وتبادل الخبرات. أما عندما تتحول إلى نشاط يملأ كل لحظة فراغ، فقد تصبح بالفعل “سارقاً للوقت”.
في النهاية، تبدو مواقع التواصل الاجتماعي سيفاً ذو حدين: فهي تقرّبنا من أشخاص بعيدين، لكنها قد تُبعدنا أحياناً عن واقعنا القريب. والتحدي الحقيقي لا يكمن في وجود هذه المنصات، بل في قدرتنا على التحكم في استخدامها بحيث تبقى أداة تخدم الإنسان، لا العكس.
