قذائف السمارة: حين يصبح التصعيد سياسة… وأسئلة لا يمكن للنظام العسكري الجزائري تجاهلها

ما وقع في محيط مدينة السمارة يوم 5 ماي 2026 ليس حادثًا عابرًا ولا “رسالة” قابلة للتأويل، بل فعل تصعيدي واضح المعالم: إطلاق مقذوفات في اتجاه محيط مدينة مدنية، في خرق صريح لوقف إطلاق النار، واستخفاف مباشر بقواعد القانون الدولي الإنساني. حتى وإن لم تُسجَّل خسائر، فإن اختيار الهدف بحد ذاته يكفي لإدانة السلوك.

هذا النمط من العمليات لم يعد استثناءً، بل تحوّل إلى أسلوب متكرر قائم على الاستفزاز المحدود والتأثير النفسي. وحين تُستهدف محيطات المدن، فإن المقصود ليس تحقيق مكسب عسكري، بل زرع القلق في صفوف المدنيين وإنتاج ضجيج سياسي يعوّض عجزًا ميدانيًا واضحًا.

لكن ما يجعل هذا التصعيد أكثر خطورة هو بيئته الإقليمية. فالميليشيات التي تُقدم على مثل هذه الأفعال لا تتحرك في فراغ، بل ضمن سياق سياسي ولوجستي معروف. وهنا، لا يمكن القفز على الدور الجزائري أو الاكتفاء بعبارات عامة. الجزائر طرف مركزي في هذا الملف و هو طرف مسؤول ، وتأثيرها على دينامياته ليس محل نقاش. وعليه، فإن تكرار الهجمات يضعها أمام سؤال مباشر: هل تُمارس نفوذها لوقف هذا التصعيد، أم تتركه يتواصل بما يخدم حسابات معينة؟

إن الحديث عن “عدم مسؤولية مباشرة” يفقد وجاهته مع تواتر الوقائع. فالمعيار اليوم ليس فقط من يضغط على الزناد، بل من يملك القدرة على كبحه ولا يفعل. ومع كل هجوم جديد، تتعزز الشكوك حول حدود هذا التغاضي، وتتعاظم الحاجة إلى وضوح في المواقف بدل المنطقة الرمادية.

توقيت الهجوم، قبيل مناسبة دينية وفي لحظة تعرف حركية دبلوماسية، ليس تفصيلاً. إنه توقيت محسوب يروم التشويش وإعادة التوتر إلى الواجهة. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن منطق التعطيل لا يزال حاضرًا بقوة.

في المقابل، أظهر التعامل السريع مع الحادث جاهزية حالت دون تضخيم نتائجه، لكن الاكتفاء بردود الفعل لن يكون كافيًا أمام تهديدات تعتمد الضربات المحدودة ذات الأثر النفسي.

إن استهداف محيط المدن وتعريض المدنيين للخطر سلوك مدان لا يقبل التبرير. ومع تكرار هذه الأفعال، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالتنديد أو تجاهل سؤال المسؤولية. إن المنتظم الدولي مطالب اليوم بوضوح أكبر: حماية المدنيين تقتضي مساءلة كل من يساهم، بالفعل أو بالتغاضي، في استمرار هذا التصعيد.

أما الجزائر، فمطالَبة بموقف لا لبس فيه: إما توظيف نفوذها لوقف هذه الأفعال بشكل فعلي، أو تحمّل تبعات استمرارها سياسيًا وأخلاقيًا. فالاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يبقى رهينة رسائل بالنار، ولا مجال بعد اليوم لخطاب مزدوج في ملف يهدد أمن المنطقة برمتها.

وفي ظل هذا التصعيد المتكرر، يبرز من جديد مطلب أساسي يتمثل في ضرورة فتح تحقيقات دولية مستقلة وشفافة حول هذه الهجمات ومن يقف خلفها، وضمان محاسبة كل الأطراف التي يثبت تورطها في تهديد أمن المدنيين أو المساهمة في استمرار دوامة التوتر في المنطقة، أيًّا كانت طبيعتها أو موقعها. كما أن استقرار المنطقة يظل رهينًا بوقف كل أشكال التصعيد، وتغليب منطق الحلول السياسية على المقاربات القائمة على الاستفزاز أو التصعيد الميداني.

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.