لم تعد واقعة تحريض طفل قاصر على استهلاك مادة يشتبه في كونها مسكرة مجرد خبر أمني عادي انتهى بتوقيف المشتبه فيه الرئيسي. فالبلاغ الرسمي للمديرية العامة للأمن الوطني كشف أن عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بناء على معطيات دقيقة وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، تمكنت من توقيف أحد المشتبه فيهما قرب مدينة بنسليمان، في انتظار مواصلة البحث لتحديد جميع ظروف وملابسات القضية.
لكن بعد هذا التطور الأمني، يبرز سؤال آخر أكثر إيلاما: ماذا فعلنا نحن، كمجتمع رقمي، بصورة الطفل؟ هل ساهمنا في حمايته حين تداولنا الفيديو بدافع الغضب؟ أم أننا أعدنا نشر الفضيحة مرة ثانية، ووسعنا دائرة الأذى الذي لحق بقاصر لا يتجاوز، وفق البلاغ الرسمي، ست سنوات؟
القضية، في عمقها، لا تتعلق فقط بفعل التحريض نفسه، رغم خطورته القانونية والأخلاقية. إنها تتعلق أيضا بما حدث بعد انتشار الفيديو. فالمقطع الذي أثار الاستنكار والغضب تحول، في ساعات قليلة، إلى مادة للتداول في الصفحات والمجموعات والتعليقات. وكل مشاركة جديدة، حتى لو حملت عبارة تنديد، كانت تضيف طبقة أخرى من الأذى إلى طفل لم يختر أن يظهر في ذلك الوضع، ولم يكن قادرا على حماية صورته أو كرامته.
وهنا تكمن قسوة الفرجة الرقمية. نرى مشهدا صادما، نغضب، نعلّق، نعيد النشر، ثم نعتقد أننا قمنا بواجبنا الأخلاقي. لكن الطفل، في المقابل، يبقى عالقا داخل شاشة لا ترحم. المقطع قد يعود إليه بعد سنوات، وقد يصل إلى محيطه، وقد يتحول إلى وصمة رقمية طويلة الأمد، رغم أنه هو الضحية لا الجاني.
إن توقيف المشتبه فيه خطوة مهمة في مسار العدالة، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الضرر. فالضرر الرقمي لا يتوقف بمجرد توقيف شخص. يستمر ما دام الفيديو متداولا، وما دام الناس يتناقلونه تحت عناوين الإثارة والاستنكار والصدمة. وهكذا تتحول الضحية إلى موضوع للمشاهدة، بدل أن تكون موضوعا للحماية.
في مثل هذه الوقائع، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يملك الفيديو؟ بل: من يملك الشجاعة لعدم نشره؟ فالمسؤولية لا تعني أن نعرض الإهانة على أكبر عدد ممكن من الناس، بل أن نبلغ عنها عبر القنوات الرسمية، ونطالب بتطبيق القانون، ونحمي صورة الطفل من الانتشار.
الفرق كبير بين التبليغ وإعادة النشر. التبليغ يساعد العدالة. أما إعادة النشر فقد تضاعف الجريمة رمزيا، لأنها تجعل الطفل يعيش الاعتداء مرات متكررة أمام جمهور لا يعرفه. وكل من يضغط على زر المشاركة، حتى بحسن نية، قد يساهم في إطالة عمر الإساءة.
ولهذا، فإن التعامل المهني والأخلاقي مع مثل هذه المقاطع يجب أن يقوم على قاعدة واضحة: لا تُنشر صورة الطفل، لا يُعاد بث الفيديو، لا تُستعمل اللقطات في المقالات والمنشورات، ولا تُكشف أي معطيات قد تقود إلى التعرف عليه أو على محيطه العائلي. يكفي نقل الخبر اعتمادا على البلاغ الرسمي، ومتابعة المسار القضائي، دون تحويل الضحية إلى عنوان بصري.
وتتحمل الصفحات الإخبارية والمؤثرون مسؤولية مضاعفة في هذا النوع من القضايا. فالمهنية ليست في اللحاق بالمحتوى الأكثر تداولا، بل في معرفة ما يجب حجبه حماية للضحية. الخبر يمكن أن يكون قويا دون فيديو. والتحليل يمكن أن يكون مؤثرا دون إعادة عرض المشهد. والحق في الإعلام لا يعني حقا في إيذاء طفل مرة ثانية.
كما أن الجمهور نفسه يحتاج إلى مراجعة علاقته بالمحتوى الصادم. ليست كل مشاركة عملا تضامنيا. أحيانا يكون الصمت الرقمي، أو التبليغ المباشر، أو المطالبة بحذف المحتوى، أكثر فائدة من ألف تعليق غاضب. فالطفل لا يحتاج إلى أن يرى ملايين الناس ما وقع له، بل يحتاج إلى حماية قانونية ونفسية واجتماعية تخرجه من دائرة الإهانة.
وتطرح هذه الواقعة أيضا سؤال التربية الرقمية داخل الأسر والمدارس. فالأطفال اليوم لا يعيشون فقط في الشارع والبيت والمدرسة، بل يعيشون أيضا داخل فضاء رقمي مفتوح، قد يحفظ صورهم إلى أجل غير معلوم. لذلك يجب أن نفهم أن حماية الطفل لم تعد تعني فقط منعه من العنف المباشر، بل تعني أيضا حمايته من الكاميرا، ومن النشر، ومن التعليقات، ومن ثقافة تحويل الألم إلى فرجة.
أما المنصات الرقمية، فهي مطالبة بدور أكثر حزما. فالمقاطع التي تتضمن أطفالا في وضعيات مسيئة أو مهينة يجب أن تحذف بسرعة، لا أن تبقى ساعات أو أياما وهي تنتشر باسم “الترند”. فكل تأخير في الحذف يعني توسيع دائرة الضرر، وكل خوارزمية تدفع المحتوى الصادم إلى مزيد من الانتشار تتحمل جزءا من المسؤولية الأخلاقية.
القضية، إذن، أكبر من شخص موقوف أو مشتبه فيه ثانٍ يجري البحث عنه. إنها مرآة لطريقتنا في التعامل مع الألم حين يظهر على الشاشة. هل نتصرف كمواطنين مسؤولين، أم كمتفرجين يبحثون عن الصدمة التالية؟ هل نغضب من أجل الطفل، أم نستعمل صورته لنثبت أننا غاضبون؟
لقد كشف هذا الفيديو، بكل قسوته، أن المجتمع يحتاج إلى يقظة من نوع جديد. يقظة لا تكتفي بالمطالبة بتوقيف المتورطين، بل ترفض أيضا المشاركة في نشر الأذى. لأن الطفل حين يتعرض للإهانة مرة، لا يجوز لنا أن نجعل الفضاء الرقمي يعيد إهانته آلاف المرات.
حماية الأطفال تبدأ من القانون، لكنها لا تنتهي عنده. تبدأ من الأمن والنيابة العامة، لكنها تمتد إلى الهاتف الذي نحمله في أيدينا. في كل مرة يصلنا مقطع لطفل في وضعية مهينة، نكون أمام اختبار بسيط وواضح: هل نكون جزءا من الحماية، أم جزءا من الفضيحة؟
الجواب يجب أن يكون حاسما: لا تنشروا الفيديو. لا تعيدوا تدوير الإهانة. لا تجعلوا الطفل يدفع ثمن فضولنا الرقمي. فالعدالة تأخذ مجراها داخل المؤسسات، أما كرامة الطفل فتبدأ من قرار فردي بسيط: أن نمتنع عن المشاركة.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله