في الساعات الأخيرة قبل عيد الأضحى، لم يكن المشهد في عدد من الرحبات والأسواق والكراجات مجرد بيع وشراء. كان امتحانا قاسيا لكرامة المواطن، ولقدرة السوق على أن يكون عادلا، ولحضور القانون حين يقترب الفقير من آخر أمل في اقتناء أضحية تحفظ له فرحة البيت ووجهه أمام أبنائه.
اليوم، بدا لكثيرين أن الفراقشية انتصروا. ليس لأنهم أقوى من الدولة، ولا لأن القانون غائب تماما، ولكن لأن المواطن، في اللحظة التي احتاج فيها إلى حماية واضحة وسوق منظم ومعلومة صادقة، وجد نفسه في مواجهة الغلاء، ونقص العرض، والانتظار، والوسطاء، والكلام الكثير عن الوفرة دون أن يرى تلك الوفرة أمامه في الرحبة.
الفراقشية هنا ليسوا اسما لشخص بعينه، ولا اتهاما قانونيا مباشرا لأحد. إنهم صورة رمزية لكل من حوّل حاجة الناس إلى فرصة للربح القاسي؛ لكل من اشترى ليعيد البيع بثمن أعلى؛ لكل من راقب خوف الأسر في الأيام الأخيرة ثم رفع السعر؛ لكل من تعامل مع عيد ديني واجتماعي كبير كما لو أنه مزاد على ضعف الناس.
المؤلم أن المواطن البسيط لم يكن يبحث عن رفاهية. كان يبحث عن خروف. عن فرحة صغيرة في بيت متعب. عن لحظة يضحك فيها الأطفال. عن شعيرة يعرف أن الدين لا يكلفه بها إذا عجز، لكنه يعرف أيضا أن المجتمع لا يرحم دائما من يعجز. هنا يصبح العيد أثقل من قدرته، ويصبح السوق مكانا لا يبيع الأضاحي فقط، بل يبيع القلق والحرج والدين والانتظار.
حين لا تكفي كلمة “الوفرة”
قيل للمواطن إن العرض موجود، وإن القطيع متوفر، وإن الأسواق مراقبة، وإن المضاربة ستُحاصر. لكن المواطن لا يعيش داخل البلاغات. المواطن يقف في الرحبة، يسأل عن الثمن، ينظر إلى جيبه، يقارن بين راتبه أو يوميته وبين رقم معلق على ظهر الخروف، ثم يكتشف أن “الوفرة” التي سمع عنها لا تعني بالضرورة أنه يستطيع الشراء.
الوفرة لا تقاس فقط بعدد الرؤوس في الحسابات الوطنية. تقاس أيضا بما يجده المواطن في السوق المحلي، وفي اليوم الحاسم، وبالثمن الذي يقدر عليه، وبالاختيار المتاح أمامه. فإذا كان الخروف موجودا لكنه بعيد عن قدرة الناس، فالوفرة تصبح رقما باردا. وإذا كان العرض موجودا في جهة وغائبا في رحبة أخرى، فالمواطن لن يشتري من الخريطة، بل من المكان الذي وصل إليه بماله ووقته وقلقه.
هنا تبدأ الهزيمة. ليس لأن الدولة لم تعلن شيئا، بل لأن الإعلان لم يمنع شعور المواطن بأنه تُرك وحيدا أمام منطق السوق القاسي. والفرق كبير بين سوق حر وسوق منفلت. السوق الحر يحتاج شفافية، ومراقبة، ومعلومة، وتكافؤا بين البائع والمشتري. أما السوق المنفلت فيكافئ من يملك المال والوقت والمخزون، ويعاقب من ينتظر آخر لحظة لأنه لا يملك إلا الانتظار.
المواطن ليس ضد الكساب
لا ينبغي أن يتحول الغضب إلى ظلم جديد. الكساب الحقيقي ليس عدوا للمواطن. هو أيضا يواجه كلفة العلف، والجفاف، والنقل، والعلاج، والتربية، ومخاطر سنة كاملة. ومن حقه أن يبيع بهامش يحفظ له تعبه وكرامته. المشكلة ليست في الكساب الذي ربّى وسهر وأنفق، بل في الحلقات التي تركب بينه وبين المواطن حتى يصبح الثمن النهائي مثل حجر على صدر الأسرة.
حين تتعدد الأيدي بين الضيعة والرحبة، وحين يدخل من لا يربي ولا ينتج فقط ليشتري ويعيد البيع، يصبح الكساب بدوره ضحية، والمواطن ضحية، والرابح الحقيقي هو من يحسن استغلال الفوضى. هنا ينتصر الفراقشي لا لأنه يملك مشروعا، بل لأنه يعرف كيف يدخل في اللحظة المناسبة ويخرج بالربح الأكبر من ألم الآخرين.
العيد لا يجب أن يتحول إلى ابتزاز اجتماعي
أخطر ما حدث هذه السنة أن أضحية العيد، بالنسبة لكثير من الأسر، تحولت من فرحة إلى ضغط. أب يسأل نفسه: هل أشتري الخروف أم أترك مصاريف المدرسة والدواء والكراء؟ أم تستحي من أطفالها؟ شاب يبحث في الرحبات وهو يعلم أن الثمن أعلى من قدرته، لكنه لا يريد أن يعود إلى البيت خالي اليدين.
هذا ليس عيدا كما ينبغي أن يكون. العيد في جوهره رحمة، وقرب، وتكافل، لا سباقا مذلا في اللحظات الأخيرة. ولا يجوز أن يصبح المواطن محاصرا بين غلاء السوق وقسوة النظرة الاجتماعية. من لم يستطع شراء الأضحية لا يجب أن يشعر بالعار. العجز المالي ليس نقصا في الدين، ولا نقصا في الرجولة، ولا نقصا في الانتماء إلى المجتمع.
لكن من واجب المجتمع، ومن واجب المؤسسات، أن تسأل: كيف وصلنا إلى لحظة يشعر فيها المواطن أن الشعيرة صارت معركة؟ كيف صار الخروف اختبارا للكرامة؟ وكيف صار العيد عند بعض البيوت بابا للديون بدل أن يكون بابا للفرح؟
أين كانت المراقبة حين احتاجها الناس؟
المراقبة لا تكون فقط في الصور والجولات والبلاغات. المراقبة الحقيقية تظهر في النتيجة: هل انخفضت المضاربة؟ هل عرف المواطن أين يشتري؟ هل وجد سعرا واضحا؟ هل مُنع الشراء بغرض إعادة البيع؟ هل تم تتبع الأسواق في الساعات الأخيرة، لا في الأيام الهادئة فقط؟
حين يصل المواطن إلى الرحبة فلا يجد إلا القليل أو لا يجد شيئا، وحين يسمع أسعارا تتغير من ساعة إلى أخرى، وحين يرى وسطاء يتحركون بحرية، فإنه لا يهمه عدد الاجتماعات التي عُقدت. يهمه فقط أن القانون لم يصل إليه في اللحظة التي احتاجه فيها.
وهنا يجب قولها بوضوح: إذا شعر المواطن أن الفراقشية انتصروا، فهذه ليست جملة عاطفية فقط. إنها مؤشر ثقة. مؤشر على أن الناس لا يقيسون قوة المؤسسات بما تقوله، بل بما تمنعه فعلا. فإذا لم تمنع الجشع في لحظة ضعف المواطن، ستبقى كل الوعود ناقصة.
ما بعد العيد أهم من يوم العيد
بعد العيد، سينشغل الناس بالتهاني والزيارات، وقد ينسى البعض ما حدث في الرحبات. لكن لا يجب أن يمر الدرس بلا حساب. يجب تقييم ما وقع: أين اختفى العرض في بعض النقط؟ من اشترى بالجملة؟ كيف تحرك الوسطاء؟ هل كانت المعلومات كافية؟ هل وصلت الأضاحي إلى الأسواق بالتوازن المطلوب؟ وهل كانت التدابير المؤقتة كافية أم بقيت حبراً فوق الورق؟
المطلوب ليس الانتقام من أحد، بل إصلاح السلسلة كاملة. من الإنتاج إلى النقل، ومن الترخيص إلى البيع، ومن المراقبة إلى المعلومة. المواطن لا يريد خطابات كثيرة. يريد سوقا مفهوما. يريد أن يعرف أين توجد الأضحية، وبأي ثمن تقريبي، ومن يراقب، ومن يحاسب من يستغل الأزمة.
انتصار مؤقت وخسارة جماعية
إذا كان الفراقشية قد انتصروا اليوم، فهو انتصار مؤقت ومخجل. ربحوا المال، لكن المجتمع خسر شيئا من ثقته. خسر المواطن جزءا من شعوره بالأمان. وخسرت الرحبة معناها كمكان للتبادل، حين تحولت في نظر كثيرين إلى ساحة قاسية ينجو فيها الأسرع والأقوى والأقدر على الانتظار.
لكن الخسارة الأكبر ستكون إذا اعتبرنا ما حدث مجرد موسم وانتهى. لأن كل عيد يعيد السؤال نفسه: هل يتعلم السوق؟ هل تتطور المراقبة؟ هل تصل الأضحية إلى المواطن بثمن عادل؟ أم سنظل كل سنة نكتب عن الغلاء، والشناقة، والفراقشية، والوفرة التي لا يلمسها من يحتاجها؟
الجواب الحقيقي يجب أن يبدأ من الاعتراف: المواطن تعب. ليس فقط من ثمن الخروف، بل من الإحساس بأنه وحده أمام شبكة كاملة من الحسابات. تعب من أن يسمع عن الوفرة ثم لا يجدها. تعب من أن يرى الجشع يربح في اللحظة التي يفترض أن تنتصر فيها الرحمة.
عيد الأضحى لا يحتاج إلى سوق مثالي، لكنه يحتاج إلى حد أدنى من العدالة. وحين تغيب العدالة عن الرحبة، لا يصبح السؤال: كم كان ثمن الخروف؟ بل يصبح: كم دفعت كرامة المواطن من ثمن هذا العيد؟
عبدالله بن عيسى
خلاصة الرأي
فوضى بعض أسواق أضاحي العيد جعلت مواطنين يشعرون بأن المضاربين انتصروا، لا لأن الوفرة غابت بالضرورة، بل لأن تنظيم السوق لم يحمِ المشتري في اللحظة الحاسمة.
- المواطن يقيس الوفرة بما يجده في الرحبة وبالثمن الذي يستطيع أداءه.
- الكساب الحقيقي ليس خصما للمواطن؛ الخلل في حلقات المضاربة والفوضى بين المنتج والمشتري.
- ما بعد العيد يجب أن يكون لحظة تقييم حقيقية لتنظيم أسواق الأضاحي محليا ووطنيا.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله