عرضت شركة غوغل إجراء تغييرات على سياسة مكافحة المحتوى المزعج في نتائج البحث، بعدما واجهت انتقادات من ناشرين قالوا إن هذه السياسة أثرت على ظهور بعض صفحاتهم ومصادر دخلهم. الخطوة تأتي في وقت تحاول فيه الشركة تجنب غرامة أوروبية جديدة ضمن تحقيق مرتبط بقانون الأسواق الرقمية، الذي يمنح بروكسل أدوات صارمة لمراقبة نفوذ المنصات الكبرى.
وبحسب وكالة رويترز، فإن الاقتراح ورد في وثيقة للمفوضية الأوروبية اطلعت عليها الوكالة، ويهدف إلى معالجة مخاوف مرتبطة بسياسة تعرف باسم “إساءة استغلال سمعة الموقع”، وهي سياسة تقول غوغل إنها تستهدف ممارسات نشر صفحات طرف ثالث داخل مواقع ذات سمعة قوية بغرض استغلال ترتيبها في محرك البحث.
ما الذي تقترحه غوغل؟
لا تتعلق القضية بإلغاء سياسة مكافحة السبام بالكامل، بل بطريقة تطبيقها على مواقع الناشرين. فغوغل تؤكد أن السياسة صُممت لمواجهة ما يعرف في عالم تحسين محركات البحث باسم “Parasite SEO”، أي استعمال موقع معروف وموثوق لاستضافة محتوى خارجي قد لا تكون له علاقة واضحة بالموقع، بهدف الحصول على ترتيب أعلى في نتائج البحث.
غير أن عدداً من الناشرين يرى أن التطبيق الحالي للسياسة لا يميز دائماً بين المحتوى التجاري منخفض الجودة وبين شراكات مشروعة يعتمدون عليها لتحقيق دخل إضافي، مثل الصفحات التجارية أو محتوى الشركاء أو بعض الصيغ الإعلانية التي تكون منفصلة عن الأخبار اليومية لكنها منشورة داخل الموقع نفسه.
تحقيق أوروبي تحت قانون الأسواق الرقمية
كانت المفوضية الأوروبية قد فتحت تحقيقاً في نونبر 2025 للنظر في ما إذا كانت طريقة غوغل في تطبيق هذه السياسة على الناشرين تتوافق مع قواعد قانون الأسواق الرقمية. ويركز التحقيق على ما إذا كانت الشركة تمنح الناشرين شروطاً عادلة ومعقولة وغير تمييزية في الوصول إلى خدمة البحث، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بترتيب الصفحات وظهورها أمام المستخدمين.
وتقول المفوضية إن مراقبتها أظهرت مؤشرات على أن سياسة غوغل قد تؤدي إلى خفض ترتيب مواقع إخبارية وناشرين آخرين عندما تتضمن صفحاتهم محتوى من شركاء تجاريين. وتعتبر بروكسل أن هذه الممارسات قد تمس طريقة شائعة ومشروعة يستعملها الناشرون لتحقيق إيرادات من مواقعهم ومحتواهم.
لماذا يخاف الناشرون من هذه السياسة؟
بالنسبة للناشرين، لا يتعلق الأمر فقط بترتيب صفحة واحدة في نتائج البحث، بل بمصدر رئيسي للزيارات والإعلانات والاشتراكات. فعندما تتراجع صفحات ناشر ما في محرك غوغل، قد ينعكس ذلك مباشرة على عدد القراء وعلى المداخيل التجارية، خصوصاً في قطاع يعاني أصلاً من ضغوط إعلانية قوية وتغيرات في سلوك الجمهور.
في المقابل، ترى غوغل أن محاربة الصفحات المصممة أساساً لخداع محركات البحث ضرورية لحماية جودة نتائج البحث. وتوضح وثائقها الرسمية أن وجود محتوى طرف ثالث داخل موقع ما لا يشكل مخالفة تلقائياً، وأن المشكلة تظهر عندما يُنشر ذلك المحتوى أساساً لاستغلال سمعة الموقع المضيف ورفع ترتيبه بدل تقديم فائدة حقيقية للمستخدم.
غرامة محتملة ورسالة واضحة للمنصات الكبرى
إذا خلصت المفوضية الأوروبية إلى وجود خرق لقانون الأسواق الرقمية، فقد تواجه الشركة غرامة قد تصل إلى 10% من رقم معاملاتها السنوي العالمي. لذلك يبدو عرض التعديلات محاولة لتهدئة الملف قبل الوصول إلى قرار عقابي رسمي.
وتمنح المفوضية الأطراف المعنية فرصة لتقديم ملاحظاتها على مقترح غوغل، ما يعني أن القرار النهائي سيعتمد أيضاً على تقييم الناشرين والمنافسين والمنظمين لمدى كفاية هذه التغييرات في معالجة جوهر المشكلة.
ما أهمية الملف للمواقع الإخبارية؟
القضية تهم المواقع الإخبارية في أوروبا وخارجها لأنها تبرز العلاقة الحساسة بين الناشرين ومحركات البحث. فالمواقع تحتاج إلى الظهور في غوغل للوصول إلى الجمهور، بينما تحتاج غوغل إلى الحفاظ على جودة نتائج البحث ومواجهة المحتوى الذي يستغل ثقة المستخدمين.
لكن التوازن بين محاربة السبام وحماية نماذج دخل الناشرين أصبح أكثر تعقيداً، خصوصاً مع صعود الذكاء الاصطناعي وتراجع الزيارات المباشرة إلى بعض المواقع. لذلك قد يتحول هذا التحقيق إلى اختبار مهم للطريقة التي ستنظم بها أوروبا علاقة المنصات الكبرى بصناعة الإعلام خلال السنوات المقبلة.
تحاول غوغل عبر مقترحها الجديد تجنب مواجهة أوروبية مكلفة، لكنها في الوقت نفسه تواجه سؤالاً أعمق: كيف يمكن لمحرك بحث ضخم أن يحارب المحتوى المضلل والمنخفض الجودة دون أن يضر بمصالح ناشرين يعتمدون على شراكات تجارية مشروعة؟ الجواب الذي ستقبله بروكسل قد يرسم حدوداً جديدة لعلاقة غوغل بالمواقع الإخبارية في أوروبا.