كشفت عملية أمنية دولية غير مسبوقة عن شبكات رقمية يشتبه في استغلالها المخدرات والثقة داخل العلاقات الزوجية والحميمة لارتكاب اعتداءات جنسية، قبل تصوير الضحايا وتبادل المواد عبر منتديات ومجموعات سرية عابرة للحدود.
وأعلنت الوكالة الأوروبية للتعاون في مجال إنفاذ القانون «يوروبول» أن جلسة عمل مشتركة، نُظمت في مقر الوكالة الوطنية للجريمة البريطانية بلندن بين 22 و24 يونيو 2026، أسفرت عن تحديد 156 شخصاً بين ضحايا ومرتكبين محتملين، واستخراج 274 خيطاً تحقيقياً جديداً، فضلاً عن كشف أربع مجموعات رقمية جديدة مرتبطة بهذا النوع من الجرائم.
وتندرج هذه التحركات ضمن مشروع ميدوسا Project Medusa، وهو تعاون دولي أُطلق في أبريل 2026 لمواجهة الاعتداءات الجنسية المُيسَّرة بالمخدرات، بدعم من «يوروبول» وبتنسيق بين أجهزة إنفاذ القانون في عدد من الدول.
جرائم تبدأ من داخل العلاقة
تكمن خطورة الجرائم التي تستهدفها العملية في أن جانباً منها يقع داخل علاقات زوجية أو عاطفية طويلة الأمد، حيث يستغل المعتدي ثقة الضحية لتخديرها أو إضعاف قدرتها على الرفض والمقاومة والتذكر.
ويُعرف هذا النوع من الجرائم باسم الاعتداء الجنسي المُيسَّر بالمخدرات، ويشار إليه اختصاراً بـDFSA، فيما تستعمل السلطات البريطانية مصطلح ODFSA عندما يتعلق الأمر بشبكات منظمة.
وبحسب الوكالة الوطنية للجريمة البريطانية، تُستعمل المخدرات أو الكحول لتجريد الضحية عمداً من قدرتها على إبداء الموافقة، قبل الاعتداء عليها جنسياً. وقد يجري تصوير الاعتداء وتبادل صوره أو مقاطعه عبر الإنترنت.
وأكدت الوكالة أن الضحايا قد ينتمون إلى مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية، وأن بعضهم لا يعرف أصلاً أنه تعرض لاعتداء.
أكثر من 270 شخصاً مرتبطين بمنتدى واحد
أفادت الوكالة الوطنية للجريمة البريطانية بأنها حددت، منذ أكتوبر 2025، أكثر من 270 شخصاً مرتبطين بمنتدى إلكتروني واحد وامتداداته.
وأحالت الوكالة أكثر من 210 حزم معلومات استخباراتية، تتعلق بمرتكبين ومشتبه فيهم وضحايا محتملين، إلى أجهزة أمنية داخل بريطانيا وخارجها، بهدف فتح التحقيقات واتخاذ تدابير حماية الضحايا.
وأسفرت هذه المعلومات عن فتح ما لا يقل عن 14 تحقيقاً منفصلاً، في وقت أكدت فيه السلطات أن الحجم الحقيقي لهذه الجرائم ما يزال غير معروف بسبب صعوبة اكتشافها وضعف التبليغ عنها.
وتحدثت المعلومات المنشورة عن تأمين حماية ثمانية ضحايا في بريطانيا. ولا يتعلق هذا الرقم بعدد الاعتقالات، خلافاً لما ورد في بعض التغطيات الإعلامية.
57 اعتقالاً وحماية 158 ضحية
ووفق الحصيلة التي أعلنتها «يوروبول»، أسفرت القضايا التي حققت فيها الدول المشاركة والمرتبطة بمشروع «ميدوسا» عن 57 اعتقالاً، إلى جانب تحديد وتأمين حماية 158 ضحية.
ولا تمثل هذه الأرقام حصيلة جلسة العمل الدولية وحدها، وإنما نتيجة تراكمية للقضايا التي تولت الدول المشاركة التحقيق فيها ضمن المشروع.
أما العملية المشتركة التي نُظمت في لندن، فقد أفضت بصورة محددة إلى النتائج الآتية:
| المؤشر | المعطى الرسمي |
|---|---|
| الأشخاص المحددون خلال العملية المشتركة | 156 شخصاً بين ضحايا ومرتكبين محتملين |
| الخيوط التحقيقية الجديدة | 274 خيطاً |
| المجموعات الرقمية الجديدة المكتشفة | 4 مجموعات |
| المرتبطون بمنتدى واحد وامتداداته | أكثر من 270 شخصاً |
| حزم المعلومات المحالة إلى الشركاء | أكثر من 210 حزم |
| التحقيقات المنفصلة المفتوحة | 14 تحقيقاً على الأقل |
| الاعتقالات في القضايا المرتبطة بالمشروع | 57 اعتقالاً |
| الضحايا الذين جرى تأمين حمايتهم | 158 ضحية |
الضحية قد لا تكتشف الجريمة إلا بعد سنوات
تؤكد المعطيات الرسمية أن فقدان الوعي أو اضطراب الذاكرة قد يمنع الضحية من إدراك ما تعرضت له. وقد تستيقظ وهي تشعر بالتعب أو الارتباك، من دون أن تعرف أن شخصاً قريباً منها قدم لها مادة مخدرة واعتدى عليها.
وقالت مسؤولة بريطانية إن بعض الضحايا قد لا يعرفون ما حدث إلا عندما تتواصل معهم الشرطة أو تظهر أدلة رقمية، خصوصاً عندما يكون الشخص المسؤول معروفاً لديهم ويحظى بثقتهم.
وشددت السلطات على أن الضحية لا تحتاج إلى امتلاك دليل كامل أو ذاكرة واضحة قبل طلب المساعدة، مؤكدة أن غياب التذكر لا يعني غياب الجريمة، ولا يحمل الضحية أية مسؤولية عما وقع.
منتديات لتبادل المواد وتنسيق الاعتداءات
أظهرت التحقيقات أن التكنولوجيا لم تكن مجرد وسيلة لتوثيق الاعتداءات، بل تحولت إلى أداة لربط مرتكبي الجرائم وتشجيعهم وتبادل المواد بينهم.
وتتيح هذه المنتديات، وفق المحققين، مناقشة طرق تخدير الضحايا وتصوير الاعتداءات وتبادل المواد، فضلاً عن تنسيق الجرائم وتطوير وسائل لتجنب اكتشافها.
ويمنح الطابع العابر للحدود لهذه الشبكات القضية بعداً دولياً، إذ شارك في جلسة العمل بلندن محققون من البرازيل وكندا وفرنسا وألمانيا والمجر وهولندا وإسبانيا والولايات المتحدة، إلى جانب «يوروبول» والسلطات البريطانية.
قضية جيزيل بيليكو حاضرة في التحقيقات
استحضرت السلطات البريطانية قضية الفرنسية جيزيل بيليكو بوصفها نموذجاً خطيراً لاستغلال الثقة الزوجية في ارتكاب اعتداءات جنسية أثناء فقدان الضحية وعيها.
وأُدين زوجها السابق دومينيك بيليكو وحُكم عليه بالسجن لمدة 20 سنة بعد ثبوت تخديره زوجته والاعتداء عليها والسماح لرجال آخرين باغتصابها وهي فاقدة للوعي.
كما أُدين 50 رجلاً آخرين بجرائم اغتصاب أو اعتداءات جنسية عقب محاكمة انتهت بمدينة أفينيون الفرنسية في دجنبر 2024.
وأظهرت هذه القضية أن الاعتداء الجنسي المُيسَّر بالمخدرات قد يستمر سنوات داخل علاقة تبدو مستقرة، بينما تظل الضحية غير مدركة لما يحدث.
تحقيقات مرشحة للكشف عن ضحايا آخرين
ترجح السلطات البريطانية أن تكون الحالات المكتشفة جزءاً من ظاهرة أوسع، مؤكدة وجود مجموعات أخرى لا تزال مجهولة لدى أجهزة إنفاذ القانون.
وتواجه التحقيقات تحديات مرتبطة بفقدان الضحايا ذاكرتهم، واستغلال العلاقات القائمة على الثقة، وانتقال الأدلة إلى منصات رقمية مغلقة وموزعة بين دول متعددة.
وتكشف عملية «ميدوسا» وجهاً بالغ الخطورة للجريمة الرقمية الحديثة، حيث ينتقل الاعتداء من فضاء خاص يفترض أن يكون آمناً إلى شبكة دولية تسمح بتبادل المواد وتشجيع جرائم جديدة، بينما قد تظل الضحية سنوات من دون أن تعرف حقيقة ما تعرضت له.




