على حافة الضربة… كيف تدير طهران وواشنطن لعبة الردع قبل جنيف؟

خارج الحدود

في لحظات قليلة قبل موعدٍ معلن في جنيف، تتكاثف التسريبات والتحليلات، وتعلو لغة “الجاهزية القصوى” مقابل “الفرصة الأخيرة”. هكذا تبدو الساعات التي تسبق الجولة المرتقبة من المحادثات الأمريكية–الإيرانية، حيث تتقاطع روايات عن استعدادات عسكرية مع عروض تفاوضية، في مشهد أقرب إلى سباق بين الدبلوماسية وحافة القوة.

تداولت منصات عربية مضمونًا يفيد بأن The New York Times نشرت تحليلًا عن استعدادات داخلية في إيران لضربة أمريكية محتملة. وبالتحري في المعلومات المتاحة علنًا—من دون المجازفة بنسبة تفاصيل غير مؤكدة للنص الأصلي—يتبيّن أن Euronews نشرت يوم 22 فبراير 2026 تقريرًا ينسب إلى الصحيفة الأمريكية خلاصة مفادها أن طهران تتصرف على أساس افتراض قرب ضربات، وأنها رفعت الجاهزية ونقلت منصات صواريخ بالستية غربًا وجنوبًا.
(المعلومة هنا منقولة عبر وسيط؛ أما النص الأصلي لـNYT فغير متاح لنا مباشرةً للتحقق الحرفي.)

في المقابل، تؤكد تقارير Reuters و**Associated Press** أن جولة تفاوض جديدة ستُعقد في جنيف الخميس، وأن المناخ العام يجمع بين مسار دبلوماسي قائم وتهديدات لا تستبعد خيار ضربات محدودة إذا فشلت المحادثات. هذا التقاطع بين “الاستعداد” و“الموعد” هو مفتاح القراءة الاستقصائية.

جنيف الخميس… لماذا صار الموعد اختبارًا؟

تثبيت موعد علني—مع تأكيد وساطة عُمانية—يعني أن هناك نافذة دبلوماسية مفتوحة. لكن كلما اقترب الموعد، ارتفعت نبرة الخطاب:

  • تسريبات عن جاهزية عسكرية.
  • تصريحات عن مرونة مشروطة.
  • تلميحات إلى “نفاد الوقت”.

وفق ما نقلته رويترز، طرحت طهران أفكارًا تتعلق بملف اليورانيوم عالي التخصيب—منها ترتيبات تقنية قد تشمل خفض مستوى التخصيب أو إرسال جزء من المخزون إلى الخارج—مقابل اعتراف بحق التخصيب وتخفيف/رفع عقوبات بآليات متفق عليها. هذه ليست تفاصيل نهائية لاتفاق، بل مواقف تفاوضية تُختبر على الطاولة.

في المقابل، أشارت أسوشيتد برس إلى أن الإدارة الأمريكية لم تستبعد ضربات محدودة، مع تعزيز حضور عسكري في المنطقة بالتوازي مع التفاوض. هنا تتشكل معادلة مألوفة: التفاوض تحت ضغط القوة.

“الجاهزية القصوى”… أداة ردع أم رسالة تفاوض؟

الرواية المنقولة عبر يورونيوز عن NYT—بشأن نقل منصات صواريخ ورفع الجاهزية—تنسجم من حيث المنطق مع سلوك الدول في لحظات الأزمة. عندما تشعر دولة بأنها تُدفع إلى خيارين (اتفاق بشروط قاسية أو ضربة)، فإنها تمزج بين:

  1. ممر دبلوماسي يمنح الطرف الآخر مساحة ليعلن “تقدمًا”.
  2. حافة ردعية ترفع كلفة أي عمل عسكري محتمل.

حتى دون الاطلاع على النص الأصلي لـNYT، فإن شكل الخطاب—التأكيد على الجاهزية—يحمل وظيفة سياسية واضحة: إرسال إشارة بأن الضربة لن تمر بلا ثمن، وأن أي اتفاق يجب أن يراعي خطوطًا حمراء سيادية.

لكن القراءة المهنية تتطلب الحذر: ما نملكه هنا هو نقلٌ وسيط عن الصحيفة الأمريكية، لا نصها الحرفي ولا مصادرها التفصيلية. لذا يُتعامل مع المعلومة كإشارة إعلامية ذات قيمة، لا كحقيقة عملياتية مكتملة العناصر.

أين تتباعد واشنطن وطهران فعليًا؟

التقارير المتاحة تكشف أن الخلاف ليس فقط حول “هل يُسمح بالتخصيب؟” بل حول الترتيب الزمني للخطوات:

  • طهران تريد اعترافًا بحق التخصيب وتخفيفًا للعقوبات قبل أو بالتوازي مع أي قيود إضافية.
  • واشنطن تريد ضمانات أقوى قبل تخفيف الضغط.

هذا النوع من الخلاف الإجرائي—من يدفع أولًا؟ ومن يضمن ماذا؟—غالبًا ما يعرقل الاتفاقات أكثر من الخلافات المبدئية. لذلك نرى خطابًا متشددًا في الإعلام يقابله تفاوض تقني في الغرف المغلقة.

سباق الروايات: تخويف أم تسويق؟

في الأزمات الكبرى، تتعايش مبالغتان:

  • مبالغة التخويف: تضخيم احتمال الحرب لانتزاع تنازلات.
  • مبالغة التسويق: تضخيم المرونة لإظهار المسؤولية أمام الداخل والخارج.

من هنا، تتكاثر العناوين حول “الاستعداد لضربة” و“الجاهزية القصوى” قبل أيام من اجتماع مفصلي. التحدي الاستقصائي هو عدم الانزلاق إلى أي من الروايتين دون سند كافٍ.
لذلك، نستند فقط إلى ما أكدته وكالات كبرى: موعد جنيف ثابت، عروض تفاوضية مطروحة، وتهديدات عسكرية غير مستبعدة.

ما الذي يميّز هذه الجولة؟

مقارنةً بجولات سابقة، تبرز نقطتان في المواد المنشورة:

  1. الحديث عن ترتيبات تقنية محددة بشأن مخزون اليورانيوم، لا مجرد عموميات سياسية.
  2. الإصرار الإيراني على “الاعتراف بالحق” كإطار سيادي، وهو ملف حساس داخليًا في واشنطن.

هذا يعني أن الجولة ليست اختبارًا للنوايا فقط، بل لاختبار القدرة على صياغة آلية تبادلية متزامنة: خطوات تقنية مقابل تخفيف ضغط، دون أن يبدو أي طرف خاسرًا أمام جمهوره.

ثلاثة مسارات للأيام المقبلة

استنادًا إلى ما هو مؤكد من مصادر متعددة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات قريبة:

  1. اختراق محدود: إعلان “تقدم تقني” يفتح باب جولة لاحقة ويؤجل شبح الضربة.
  2. تعثر مع استمرار التفاوض: بيانات متشددة علنًا مع بقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
  3. تصعيد محسوب: ضغط عسكري أكبر أو ضربات محدودة دون حرب شاملة، مع إبقاء فكرة “الفرصة الأخيرة” حاضرة إعلاميًا.

إدارة الحافة لا القفز منها

المشهد الحالي لا يشي بحرب شاملة وشيكة بقدر ما يعكس إدارة دقيقة للحافة: رفع الجاهزية، تثبيت موعد تفاوض، تبادل رسائل ردع ومرونة في الوقت نفسه.
سواء صحّت تفاصيل المقال المنسوب إلى NYT حرفيًا أم لا، فإن السياق العام—كما تؤكده رويترز وأسوشيتد برس ويورونيوز—يضعنا أمام لحظة اختبار حقيقية في جنيف:
إما أن تتحول “الجاهزية القصوى” إلى ورقة ضغط تُستخدم لإبرام تفاهم،
أو أن تتحول إلى خطوة أولى في مسار تصعيد محسوب.

وفي كل الأحوال، تبقى الأيام القليلة المقبلة هي التي ستحدد إن كانت الأزمة ستُدار تحت سقف يمكن التحكم فيه… أم ستنزلق إلى ما وراءه.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً