بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
قيادة نقدية حكيمة في مواجهة التضخم وحماية الاستقرار الاقتصادي
في تتويج يعكس ثقة المؤسسات المالية الدولية في التجربة النقدية المغربية، حاز عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، لقب أفضل حاكم بنك مركزي في إفريقيا لعام 2025، تقديرًا لدوره البارز في التصدي لارتفاع معدلات التضخم والحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي في ظرفية عالمية استثنائية اتسمت بتقلبات حادة وضغوط اقتصادية متزايدة.
ويأتي هذا التتويج في وقت عانت فيه اقتصادات عديدة، متقدمة ونامية، من موجات تضخم غير مسبوقة نتيجة تداعيات جائحة كوفيد-19، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، واضطراب سلاسل التوريد العالمية، وهي تحديات نجح بنك المغرب، بقيادة الجواهري، في التعامل معها بدرجة عالية من الحكمة والواقعية.
- سياسة نقدية متوازنة في زمن الأزمات
اعتمد بنك المغرب خلال السنوات الأخيرة سياسة نقدية قائمة على التوازن بين كبح التضخم ودعم النمو الاقتصادي، دون الانزلاق نحو قرارات متسرعة قد تضر بالنشاط الاقتصادي أو بالقدرة الشرائية للمواطنين.
وقد تميزت هذه السياسة بالتحرك التدريجي والمدروس في أسعار الفائدة، إلى جانب توظيف أدوات نقدية حديثة، مع الحفاظ الصارم على استقلالية البنك المركزي عن الضغوط الظرفية، وهو ما عزز مصداقية المؤسسة النقدية داخليًا وخارجيًا.
ولم تكن مواجهة التضخم هدفًا تقنيًا معزولًا، بل جزءًا من رؤية شمولية تعتبر استقرار الأسعار شرطًا أساسيًا للاستقرار الاجتماعي وحماية الفئات الهشة، التي تُعد الأكثر تضررًا من ارتفاع تكاليف المعيشة.
- استقرار مالي يعزز ثقة المستثمرين
ساهمت السياسات التي قادها الجواهري في تحصين النظام المالي المغربي، وضمان متانته أمام الصدمات الخارجية، وهو ما انعكس إيجابًا على ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في الاقتصاد الوطني.
كما ساعد هذا الاستقرار النقدي في توفير مناخ ملائم للاستثمار، ودعم دينامية النمو، والحفاظ على توازنات الاقتصاد الكلي، في وقت شهدت فيه عدة دول إفريقية اختلالات مالية ونقدية حادة.
- اعتراف دولي بمسار طويل من الإصلاح
لا يُعد هذا التتويج حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة من الاعترافات الدولية التي نالها والي بنك المغرب خلال مسيرته الممتدة لأكثر من عقدين، والتي ارتبطت بإصلاحات عميقة في القطاع البنكي، وتحديث أدوات السياسة النقدية، وتعزيز الشفافية والتواصل مع الرأي العام.
وقد رسّخ الجواهري نموذجًا خاصًا في تدبير البنك المركزي، يقوم على الوضوح في الخطاب، والاستباق في القرار، وربط السياسة النقدية بالواقع الاجتماعي والاقتصادي.
- السياسة النقدية والبعد الاجتماعي
أثبتت تجربة بنك المغرب أن السياسة النقدية ليست شأنًا تقنيًا صرفًا، بل أداة ذات تأثير مباشر على الحياة اليومية للمواطنين. فخفض معدلات التضخم يعني حماية القدرة الشرائية، وضمان حد أدنى من الاستقرار في أسعار المواد الأساسية، وتعزيز الثقة في العملة الوطنية.
وفي هذا السياق، برز دور الجواهري كـ”حارس للاستقرار”، يوازن بين متطلبات الأسواق والاعتبارات الاجتماعية، في بيئة دولية شديدة التعقيد.
- خاتمة: تتويج مستحق ورهانات مستمرة
إن اختيار عبد اللطيف الجواهري أفضل حاكم بنك مركزي في إفريقيا لعام 2025 يُعد تتويجًا لمسار مهني حافل، ويعكس نجاح التجربة المغربية في مجال السياسة النقدية، كما يسلط الضوء على أهمية القيادة الرصينة في أوقات الأزمات.
ويبقى الرهان المستقبلي هو استدامة هذا النهج، ومواصلة تحديث أدوات التدخل النقدي، بما يضمن استقرار الأسعار ودعم التنمية الاقتصادية، في عالم لا يزال يرزح تحت وطأة تقلبات مالية واقتصادية متسارعة.
