طهران تعلق تبادل الرسائل مع واشنطن وتلوح بتوسيع التصعيد من هرمز إلى باب المندب

لم تعد المفاوضات الأمريكية الإيرانية أمام عقبة جديدة فقط، بل أمام احتمال انهيار المسار الذي بدا، قبل أيام قليلة، أقرب إلى إنتاج هدنة مؤقتة تمنع اتساع الحرب. فقد أفادت وكالة تسنيم الإيرانية، اليوم الاثنين فاتح يونيو 2026، بأن طهران قررت وقف تبادل الرسائل والمحادثات مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء، بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان، في تطور ينقل الأزمة من مربع التفاوض الصعب إلى حافة توسع جغرافي وعسكري خطير.

وبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن تسنيم، فإن فريق التفاوض الإيراني أوقف تبادل الرسائل مع واشنطن عبر الوسطاء، معتبرا أن استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان يضرب أحد الشروط المرتبطة بأي وقف شامل لإطلاق النار في المنطقة. كما نقلت الوكالة الإيرانية تأكيد مسؤولين ومفاوضين في طهران أن لا عودة إلى المحادثات قبل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وغزة والانسحاب من المناطق المحتلة في لبنان.

ويأتي هذا الإعلان بعد أيام من حديث عن مذكرة تفاهم محتملة بين واشنطن وطهران، كانت تستهدف تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وفتح مفاوضات حول الملف النووي والعقوبات. لكن الساعات الأخيرة أظهرت أن أي تفاهم بين الطرفين لا يتحرك بمعزل عن جبهات المنطقة، وأن لبنان تحول إلى عقدة جديدة قادرة على نسف ما تبقى من الدبلوماسية.

الأخطر في التطور الإيراني الجديد لا يقتصر على تجميد الرسائل مع واشنطن. فتسنيم تحدثت، وفق رويترز، عن أجندة إيرانية مع ما يسمى “جبهة المقاومة” تتجه نحو إغلاق كامل لمضيق هرمز، وتفعيل جبهات أخرى، من بينها باب المندب، بهدف الضغط على إسرائيل وحلفائها.

هذه الإشارة ترفع مستوى الخطر بصورة كبيرة. فمضيق هرمز وباب المندب ليسا نقطتين عسكريتين فقط، بل ممران بحريان يتحكمان في حركة واسعة للتجارة والطاقة بين الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس. وإذا انتقل التهديد من تعطيل الملاحة في هرمز إلى اضطراب متزامن في باب المندب، فإن العالم سيكون أمام أزمة شحن وطاقة أكثر تعقيدا، لا تقتصر تداعياتها على أطراف الحرب.

من هدنة الـ60 يوما إلى تهديد الممرات البحرية

قبل أيام، كانت التقارير تتحدث عن تقدم في صياغة اتفاق مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، يقوم على تمديد وقف إطلاق النار، والسماح باستئناف الملاحة في مضيق هرمز، ورفع الحصار الأمريكي عن إيران أو تخفيفه ضمن ترتيبات مشروطة، مقابل التزامات إيرانية تتصل بالأمن البحري والبرنامج النووي.

لكن الملف لم يكن مستقرا منذ البداية. فواشنطن شددت شروطها المتعلقة باليورانيوم عالي التخصيب وحرية الملاحة دون رسوم أو قيود، بينما تمسكت إيران بحقها في ضمان أمنها داخل مضيق هرمز، وربطت أي تسوية أوسع بوقف الحرب على مختلف الجبهات وبالحصول على ضمانات اقتصادية وسياسية.

واليوم، تبدو مذكرة التفاهم التي كانت مطروحة أمام اختبار قد يكون قاتلا. فطهران لم تعد تتحدث فقط عن تحفظات على البنود، بل عن توقف تبادل الرسائل عبر الوسطاء. وهذا يعني أن الوساطة نفسها، التي كانت تحاول نقل المقترحات والتعديلات بين الطرفين، باتت معلقة على موقف ميداني في لبنان.

لبنان يدخل صلب التفاوض الأمريكي الإيراني

في وقت سابق من اليوم، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن وقف إطلاق النار في لبنان جزء لا يتجزأ من أي وقف شامل للحرب في المنطقة. واعتبر أن التصعيد الإسرائيلي في لبنان يستهدف تدمير فرص التحسن عبر المسارات الدبلوماسية.

كما اتهم بقائي الولايات المتحدة وإسرائيل بنقض وقف إطلاق النار، مؤكدا أن بلاده ترى نفسها ملزمة باتخاذ خطوات عملية إذا استمرت الاعتداءات على مصالحها. وقال إن دوائر القرار في إيران تدرس خيارات الرد على التطورات في لبنان.

وتزامنت التصريحات الإيرانية مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إصدار أوامر بشن هجمات على ضاحية بيروت الجنوبية، في وقت أعلنت فيه إسرائيل أن عملياتها ستتوسع إذا استمرت هجمات حزب الله.

ويكشف هذا الترابط أن إيران لم تعد تتعامل مع مفاوضاتها مع واشنطن باعتبارها ملفا ثنائيا منفصلا، بل بوصفها جزءا من مشهد إقليمي واحد يمتد من طهران والخليج إلى لبنان وغزة والبحر الأحمر. وهذه المعادلة تجعل الوصول إلى اتفاق أكثر صعوبة، لأن أي ضربة في جبهة قد تصبح سببا لتجميد التفاوض في جبهة أخرى.

تناقض بين التصريحات الرسمية والإعلان المنسوب إلى تسنيم

الدقة تفرض التمييز بين مستويين في الموقف الإيراني. فالمتحدث باسم الخارجية الإيرانية تحدث، بحسب ما نقلته رويترز والجزيرة، عن مفاوضات تجري في مناخ من انعدام الثقة، وعن مواقف أمريكية متناقضة تؤدي إلى إطالة أمد العملية التفاوضية، كما أكد أن الطرفين لم يصلا إلى نتيجة نهائية.

أما إعلان تعليق تبادل الرسائل عبر الوسطاء، فقد نُقل عن وكالة تسنيم الإيرانية، التي نسبت الموقف إلى فريق التفاوض والمسؤولين الإيرانيين. وهذا يعني أن التطور بالغ الخطورة، لكنه يحتاج إلى متابعة ما إذا كان سيتحول إلى موقف رسمي دائم تعلنه وزارة الخارجية بشكل مباشر، أم إلى ورقة ضغط إيرانية لإجبار واشنطن على التدخل لوقف التصعيد الإسرائيلي في لبنان.

غير أن الفارق بين الصيغتين لا يقلل من حدة الأزمة. ففي الحالتين، هناك مسار تفاوضي يتآكل بسرعة، وثقة تكاد تكون معدومة، وتهديدات باتت تمس طرق الملاحة الدولية.

هرمز وباب المندب.. حين تتحول الحرب إلى فاتورة عالمية

يشكل مضيق هرمز واحدا من أكثر ممرات الطاقة حساسية في العالم، وقد تسبب تقييد الحركة فيه خلال الحرب في اضطراب واسع لإمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال، ورفع كلفة النقل والتأمين البحري.

أما باب المندب، الواقع بين اليمن والقرن الإفريقي، فيتحكم في حركة السفن المتجهة نحو البحر الأحمر وقناة السويس. وإذا دخل هذا الممر بدوره في دائرة العمليات أو التهديد المباشر، فإن السفن التجارية قد تجد نفسها مضطرة إلى تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، بما يرفع مدة الرحلات وكلفتها، ويضغط على سلاسل التوريد وأسعار السلع والطاقة.

لهذا، فإن التلويح الإيراني بتفعيل جبهة باب المندب لا ينبغي قراءته كرسالة عسكرية فقط. إنه إنذار اقتصادي للعالم كله. فالحرب التي بدأت بصراع على إيران والنووي والقيود البحرية يمكن أن تتحول إلى أزمة تجارة عالمية، يدفع كلفتها المستهلكون في بلدان بعيدة عن ساحات القتال.

ماذا يعني التطور بالنسبة للمغرب؟

بالنسبة للمغرب، لا تقف آثار التصعيد المحتمل عند حدود المتابعة السياسية للأزمة. فالمملكة تستورد جزءا أساسيا من حاجياتها الطاقية، كما أن أي اضطراب طويل في طرق الشحن الدولية يضغط على كلفة النقل والتأمين والاستيراد.

وإذا أدى التصعيد في هرمز أو باب المندب إلى ارتفاع جديد في أسعار النفط أو تكاليف الشحن، فقد تمتد الآثار إلى فاتورة الطاقة، وكلفة نقل البضائع، وأسعار عدد من المواد المستوردة. ولا يعني ذلك أن الانعكاس سيكون فوريا أو آليا، لأن الأسعار الداخلية تتأثر بعوامل أخرى، لكن بقاء الممرات البحرية تحت التهديد يضع ضغطا إضافيا على الدول المستوردة للطاقة والسلع.

ولهذا، فإن ما يحدث في طهران وبيروت ومضيق هرمز لا يبقى خبرا خارجيا بعيدا عن القارئ المغربي. حين تهتز طرق الطاقة والتجارة، يصل أثرها، بدرجات متفاوتة، إلى الأسواق المحلية وجيوب الأسر.

هل مات الاتفاق قبل أن يولد؟

الجواب لا يزال مفتوحا. فإيران قد تستعمل تعليق الرسائل كورقة ضغط لفرض إدراج لبنان ضمن التفاهم النهائي، وقد تعود الوساطات إلى العمل إذا تحقق خفض سريع للتصعيد. كما أن واشنطن قد تدفع نحو تسوية تمنع توسع الحرب إلى ممرات بحرية جديدة، خصوصا إذا بدأت كلفة النفط والشحن تتصاعد بوتيرة أسرع.

لكن المؤكد أن الاتفاق لم يعد في الوضع الذي كان عليه قبل أيام. الحديث عن تمديد هدنة 60 يوما وفتح مضيق هرمز اصطدم الآن بشرط إيراني إضافي وحاسم: لا فصل بين التهدئة مع واشنطن وما يجري على جبهة لبنان.

وهذا الشرط يجعل التفاوض أكثر تعقيدا، لأن الولايات المتحدة ستواجه سؤالين في وقت واحد: هل تستطيع تقديم ضمانات لطهران في ملف إيران؟ وهل تستطيع التأثير على المسار العسكري الإسرائيلي في لبنان بما يكفي لإعادة إيران إلى طاولة الرسائل؟

المنطقة أمام لحظة شديدة الخطر

طهران، وفق الإعلان المنسوب إلى تسنيم، لم تغلق فقط قناة رسائل مع واشنطن، بل فتحت باب التهديد بتوسيع الصراع إلى أكثر من ممر بحري وأكثر من جبهة. وفي المقابل، تستمر العمليات الإسرائيلية في لبنان، بينما تبادل الأمريكيون والإيرانيون ضربات جديدة زادت من هشاشة وقف إطلاق النار.

هذه ليست لحظة رسائل دبلوماسية عادية. إنها مرحلة قد تحدد ما إذا كان الشرق الأوسط مقبلا على هدنة متعثرة تُنقذ ما تبقى من التفاوض، أم على توسع للحرب يجعل مضيق هرمز وباب المندب ولبنان والخليج أجزاء من مواجهة واحدة.

وبين الاحتمالين، يقف العالم أمام سؤال عاجل: هل تتمكن الوساطات من إعادة المفاوضات قبل أن تتحول التهديدات إلى واقع في البحر؟

فحين تتوقف الرسائل، تبدأ الأسلحة في الكلام أكثر. وحين تُهدد الممرات البحرية، لا يعود ثمن الحرب محصورا في ساحتها، بل يصل إلى كل بلد ينتظر ناقلة طاقة أو سفينة بضائع في مينائه.

ما الذي يجب أن تعرفه؟

أفادت وكالة تسنيم الإيرانية بأن طهران أوقفت تبادل الرسائل مع واشنطن عبر الوسطاء بسبب التصعيد في لبنان، في تطور يهدد مسار هدنة كانت مطروحة لمدة 60 يوما.

  • إيران ربطت العودة إلى الرسائل بوقف العمليات الإسرائيلية في لبنان وغزة والانسحاب من مناطق في لبنان.
  • تسنيم تحدثت عن احتمال إغلاق كامل لمضيق هرمز وتفعيل جبهات أخرى بينها باب المندب.
  • الخارجية الإيرانية أكدت، في تصريحات سابقة خلال اليوم، أن التصعيد في لبنان يعرقل الدبلوماسية وأن طهران تدرس خيارات الرد.

كيف انتقل الملف من التفاوض إلى التهديد؟

مقارنة بين المسارات التي كانت مطروحة قبل التصعيد، والمواقف المنسوبة إلى طهران عقب تطورات الجبهة اللبنانية.

ملاحظة: يمكن تمرير الجدول أفقيا لمشاهدة جميع المعطيات
الملف ما كان مطروحا قبل التصعيد؟ المستجد الحالي
التفاوض مع واشنطن تبادل رسائل عبر الوسطاء بشأن مذكرة تفاهم محتملة لإنهاء الحرب. وكالة تسنيم تتحدث عن توقف تبادل الرسائل بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان.
وقف إطلاق النار تمديد محتمل لمدة 60 يوما بين إيران والولايات المتحدة. الموقف المنسوب إلى طهران يربط أي وقف شامل للحرب في المنطقة بالوضع في لبنان.
مضيق هرمز إعادة فتح الملاحة ضمن صيغة تفاوضية محتملة. تقارير منسوبة إلى الجانب الإيراني تلوّح بإغلاق كامل للمضيق ضمن خيارات التصعيد.
باب المندب لم يكن في قلب تفاهم واشنطن وطهران المعلن سابقا. وكالة تسنيم تتحدث عن احتمال تفعيل جبهة إضافية في هذا الممر البحري.
لبنان جبهة إقليمية موازية للمفاوضات. وفق المعطيات المنسوبة إلى طهران، أصبح وقف التصعيد في لبنان شرطا لعودة المسار التفاوضي.
ملاحظة تحريرية: تتعلق هذه المعطيات بملف سياسي وأمني سريع التطور. لذلك ينبغي نسبة التهديدات والمواقف إلى مصادرها بوضوح، وعدم تقديم السيناريوهات المحتملة، مثل إغلاق مضيق هرمز أو تفعيل جبهة باب المندب، باعتبارها وقائع منفذة ما لم يصدر تأكيد رسمي موثق.
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله