في الجزائر، يبدو أن هناك مؤسسة لا تعاني من التضخم ولا من البطالة ولا من أزمة السكن، إنها مصنع “العدو الخارجي”. كلما ارتفعت أصوات المواطنين المطالبين بالعيش الكريم، خرجت البيانات العسكرية لتذكّرهم بأن الخطر ليس في جيوبهم الفارغة، بل خلف الحدود.
آخر حلقات هذا المسلسل جاءت على لسان الفريق أول السعيد شنقريحة، الذي حذر من “مخططات دنيئة تُحاك ضد الجزائر في السر والعلن”. تصريح قد يبدو للوهلة الأولى موجهاً إلى الخارج، لكنه في الحقيقة يوجّه رسالته الأولى إلى الداخل: لا تسألوا عن المعيشة… اسألوا عن المؤامرة.
ولسنوات، لم يعد الخطاب الرسمي الجزائري يكتمل إلا بوجود “عدو” جاهز. وإذا لم يُذكر المغرب بالاسم، فإن الإشارات تكفي. فالمغرب أصبح في الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي أشبه بـ”المتهم الدائم”، يُستدعى كلما احتاجت السلطة إلى تحويل النقاش بعيداً عن الملفات التي تؤرق المواطن الجزائري.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا استفاد الجزائري البسيط من هذا الخطاب؟ هل انخفضت الأسعار؟ هل تراجعت البطالة؟ هل اختفت طوابير الانتظار من أجل السكن؟ هل أصبحت القدرة الشرائية أفضل؟ أم أن “الخطر الخارجي” أصبح الوصفة السحرية لتأجيل كل نقاش يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية؟
المفارقة الساخرة أن المواطن الذي يُطلب منه الاستعداد لمواجهة “المؤامرات” لا يزال ينتظر حقه في سكن لائق، ووظيفة مستقرة، وخدمات عمومية تليق بثروات بلاده. وكأن المطلوب منه أن يعيش على الشعارات الوطنية، بينما تُترك مطالبه اليومية في ذيل الأولويات.
أما المغرب، فقد تحول في الخطاب الرسمي الجزائري إلى محور تدور حوله كل الأزمات تقريباً. فإذا تعثر مشروع، أو احتدم النقاش الداخلي، أو ارتفعت الأصوات المنتقدة، عاد الحديث عن “الاستهداف” و”المؤامرات” و”الأعداء”. حتى ليخيّل للمتابع أن الرباط تجلس في كل اجتماع حكومي، وتحضر كل أزمة داخلية، وتتحمل مسؤولية كل إخفاق.
غير أن العلاقات بين الدول لا تُدار بالخطب وحدها، بل بالمصالح والحوار والتنمية. واستمرار تغذية مناخ التوتر مع المغرب لم يحقق للمواطن الجزائري رخاءً اقتصادياً، ولم يفتح الحدود المغلقة، ولم يخلق فرص عمل، ولم يبدد مخاوف الشباب الباحث عن مستقبل أفضل.
الأوطان لا تصبح قوية بمجرد تكرار كلمة “المؤامرة”، بل عندما يشعر المواطن أن دولته تدافع عن كرامته قبل أن تطلب منه الدفاع عنها. فالقوة الحقيقية تُقاس بجودة التعليم، وفعالية الاقتصاد، واستقلال المؤسسات، واحترام حقوق المواطنين، لا بعدد البيانات التي تتحدث عن أعداء يتربصون في السر والعلن.
إن من حق أي دولة أن تحذر من التهديدات الأمنية إن وُجدت، لكن من حق المواطنين أيضاً أن يتساءلوا: لماذا يتكرر خطاب الخطر الخارجي كلما ازدادت الأسئلة حول الداخل؟ ولماذا يتحول النقاش عن السكن والبطالة والقدرة الشرائية إلى نقاش عن الجيران؟
في النهاية، لا يحتاج الجزائري إلى عدو جديد بقدر ما يحتاج إلى أجوبة جديدة. فالشعوب لا تبني مستقبلها بالخوف، وإنما بالثقة. والثقة لا تُصنع بالخطب العسكرية، بل بالعدالة والشفافية والتنمية.
وربما آن الأوان لأن يتوقف المسؤولون عن سؤال المواطن: “من يهدد الجزائر؟”، ويبدؤوا بسؤال أنفسهم: لماذا لم تعد الشعارات تكفي لإقناع الجزائري بأن مستقبله أفضل من حاضره؟
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية



