زيارة لمستشفى بأكادير تقود إلى سؤال أكبر: ماذا تحقق في المغرب خلال ربع قرن من نهضة وطن؟

أكادير والجهات

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

قد تبدو زيارة مستشفى حدثاً عادياً في حياة أي مواطن، لكنها قد تتحول أحياناً إلى لحظة تأمل عميق في مسار بلد بأكمله. هذا ما يخطر ببال الزائر وهو يدخل إلى المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير، حيث يكتشف فضاءات واسعة، تجهيزات طبية متطورة، وتنظيماً حديثاً يضع المريض في صلب الخدمة الصحية.
ذلك الانبهار لا يتعلق فقط بمؤسسة استشفائية حديثة، بل يقود إلى سؤال أوسع: كيف استطاع المغرب خلال سنوات قليلة نسبياً أن يحقق كل هذا التحول في بنياته الصحية والتنموية؟
الجواب يبدأ من الرؤية الإصلاحية التي يقودها محمد السادس نصره الله وأيده منذ اعتلائه العرش سنة 1999، وهي رؤية قامت على فكرة بسيطة لكنها عميقة: تحديث الدولة المغربية وجعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في خدمة المواطن.

  • نهضة البنية التحتية

من يتتبع ما تحقق على مستوى البنيات التحتية يدرك حجم التحول. فقد أصبح المغرب اليوم يتوفر على شبكة طرق سيارة تربط أهم مدنه، وموانئ حديثة جعلت منه منصة لوجستية دولية. ويبرز في هذا السياق مشروع ميناء طنجة المتوسط الذي تحول في ظرف سنوات قليلة إلى أحد أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، وجعل المغرب مركزاً أساسياً في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
كما دخل المغرب نادي الدول التي تمتلك قطارات فائقة السرعة بفضل مشروع البراق الذي ربط بين طنجة والدار البيضاء، في خطوة رمزية تعكس إرادة البلاد في مواكبة التحولات التكنولوجية العالمية.

  • ثورة هادئة في قطاع الصحة

لكن التحولات لم تقتصر على الطرق والموانئ. فقطاع الصحة يعرف بدوره إصلاحات عميقة، من بناء مستشفيات جامعية جديدة، إلى تحديث المؤسسات الصحية، وصولاً إلى إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية.
في هذا السياق، لا يمثل المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير مجرد مستشفى جديد، بل يشكل قطباً صحياً جامعياً يخدم جهة واسعة من جنوب المغرب، ويعكس إرادة الدولة في تقليص الفوارق المجالية في الخدمات الصحية.
كما أن مشروع تعميم التغطية الصحية الإجبارية يعد أحد أكبر الإصلاحات الاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث، حيث أصبح ملايين المواطنين يستفيدون من حقهم في العلاج والحماية الصحية.

  • أوراش التنمية في كل الجهات

التحول الذي يعرفه المغرب لا يقتصر على محور الرباط الدار البيضاء أو على المدن الكبرى فقط. فقد انطلقت برامج تنموية كبرى في مختلف جهات المملكة.
في الشمال، تحولت طنجة إلى قطب صناعي ولوجستي عالمي بفضل الميناء والمناطق الصناعية المرتبطة به.
وفي الوسط، تواصل الدار البيضاء تعزيز مكانتها كعاصمة اقتصادية للقارة الإفريقية.
أما في الجنوب، فقد شهدت الأقاليم الصحراوية مشاريع تنموية ضخمة في البنية التحتية والطاقة والموانئ.
ويمتد هذا المسار التنموي عبر التراب الوطني كله، من طنجة في أقصى الشمال إلى الكويرة في أقصى الجنوب، في تجسيد عملي لفكرة العدالة المجالية وربط مختلف مناطق المملكة بدينامية التنمية.

  • المغرب وإفريقيا: عودة قوية

إلى جانب الأوراش الداخلية، عزز المغرب حضوره الإفريقي عبر استثمارات اقتصادية ومشاريع تعاون جنوب جنوب، إضافة إلى عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، في خطوة أعادت للمملكة دورها التاريخي في القارة.
وأصبحت الشركات المغربية اليوم حاضرة بقوة في قطاعات الأبناك والاتصالات والطاقة في العديد من الدول الإفريقية، مما يعكس تحولا في موقع المغرب داخل الاقتصاد الإفريقي.

  • قراءة النهضة في تفاصيل الحياة اليومية

غير أن كل هذه المشاريع الكبرى تبقى، في نهاية المطاف، مجرد عناوين إذا لم تتحول إلى أثر ملموس في حياة المواطن. ولهذا تبدو زيارة مؤسسة صحية حديثة، مثل المركز الاستشفائي الجامعي بأكادير، كأنها قراءة حية لمسار بلد يتغير.
فهناك، بين أروقة العلاج وغرف الفحص، يمكن أن يرى الزائر كيف تتحول السياسات العمومية إلى خدمات حقيقية تمس حياة الناس.
إن نهضة الأوطان لا تُكتب فقط في المشاريع العملاقة، بل تُكتب أيضاً في التفاصيل اليومية: في مدرسة أفضل، في طريق معبدة، وفي مستشفى يوفر العلاج بكرامة.
وهكذا قد تكشف زيارة بسيطة إلى مستشفى قصة أكبر بكثير… قصة وطن اختار أن يتقدم بثبات في طريق التنمية.
الحاصول الله انصر الملك