في سباق الذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار غالباً إلى الشركات التي تصنع المعالجات الرسومية الضخمة، لكن خلف هذه الرقائق توجد منظومة كاملة لا تقل أهمية: الطاقة، التبريد، الربط البصري، المتحكمات، وإدارة تدفق البيانات داخل مراكز عملاقة تستهلك الكهرباء وتطلب سرعة اتصال هائلة. هنا تظهر شركة STMicroelectronics، الصانعة الفرنسية الإيطالية للرقائق، كلاعب أوروبي يريد أن يحجز موقعاً أكبر في البنية التحتية التي تحمل الذكاء الاصطناعي من المختبرات إلى الخوادم.
- STMicro ترفع سقف الطموح: مليار دولار في 2026 وربما الضعف في 2027
- قفزة تاريخية في السهم.. السوق يقرأ الرسالة بسرعة
- ما الذي تبيعه STMicro لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؟
- مصنع Crolles في فرنسا.. قلب الرهان الأوروبي على الفوتونيات
- لماذا يهم هذا الخبر أوروبا والمغرب أيضاً؟
- من السيارات إلى مراكز البيانات.. تحوّل في بوصلة شركات الرقائق
- القفزة لا تعني أن الطريق بلا مخاطر
- الذكاء الاصطناعي يفتح باباً أوروبياً جديداً في صناعة الرقائق
الشركة رفعت بشكل لافت أهداف مداخيلها من نشاط مراكز البيانات، مدفوعة بما وصفته بطلب قوي ومستمر على تجهيزات الذكاء الاصطناعي. هذه الإشارة لم تمر بهدوء في الأسواق، إذ قفز سهم STMicro إلى أعلى مستوى له منذ حوالي ربع قرن، في لحظة تؤكد أن موجة الذكاء الاصطناعي لم تعد محصورة في Nvidia وأقرانها، بل بدأت ترفع أسهماً أوروبية مرتبطة بالحلقات الأقل ظهوراً والأكثر حساسية داخل سلاسل التوريد.
STMicro ترفع سقف الطموح: مليار دولار في 2026 وربما الضعف في 2027
وفق ما نقلته Reuters، باتت STMicro تتوقع أن تحقق حوالي مليار دولار من مداخيل نشاط مراكز البيانات خلال 2026، بعدما كانت تتحدث سابقاً عن رقم “أعلى بشكل جيد” من 500 مليون دولار. والأهم أن الشركة أشارت إلى أن هذه المداخيل قد تتضاعف في 2027 إذا استمرت الدينامية الحالية ومعها الارتباطات التجارية القائمة.
هذا التحول في اللغة المالية ليس تفصيلاً صغيراً. فرفع التوقعات بهذا الحجم يعني أن الطلب القادم من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يتحول من فرصة مستقبلية إلى مساهمة ملموسة في الإيرادات. كما يعني أن STMicro لا تراهن فقط على موجة إعلامية حول الذكاء الاصطناعي، بل على عقود وقدرات إنتاجية بدأت تتحول إلى شحنات ومنتجات تدخل فعلياً في البنية التحتية الرقمية.
قفزة تاريخية في السهم.. السوق يقرأ الرسالة بسرعة
رد فعل المستثمرين كان سريعاً. فقد ارتفع سهم STMicro بما يصل إلى 10% ليبلغ 65.21 يورو، وهو مستوى لم يبلغه منذ سنة 2000، قبل أن يقلص جزءاً من مكاسبه مع استمرار التداول. هذه القفزة جعلت الشركة من بين أبرز الرابحين على مؤشر STOXX 600 الأوروبي، في يوم استفادت فيه أسهم التكنولوجيا من موجة تفاؤل مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
لكن قراءة السوق لا تتوقف عند رقم السهم فقط. فالمستثمرون يبحثون حالياً عن شركات لا تبيع “حلم الذكاء الاصطناعي” فقط، بل تمتلك موقعاً مباشراً في سلاسل التوريد التي يحتاجها هذا الحلم: رقائق الربط، حلول الطاقة، التقنيات البصرية، والتحكم في الحرارة. لذلك جاءت ترقية أهداف STMicro كإشارة إلى أن الشركة قد تكون من المستفيدين الأوروبيين الواضحين من طفرة مراكز البيانات.
ما الذي تبيعه STMicro لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؟
على عكس Nvidia التي ترتبط صورتها بمعالجات تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، يتركز حضور STMicro في مكونات البنية المحيطة بهذه المعالجات. الشركة توفر تقنيات تساعد مراكز البيانات على نقل الإشارات بسرعة عالية، إدارة الطاقة بكفاءة، ودعم الاتصالات البصرية التي تربط آلاف المعالجات والخوادم داخل العناقيد الحاسوبية الضخمة.
ومن أبرز هذه المجالات تقنية silicon photonics، أو الفوتونيات السيليكونية، التي تسمح بنقل البيانات عبر الضوء داخل مراكز البيانات. ومع تضخم نماذج الذكاء الاصطناعي وازدياد عدد المعالجات داخل كل مركز، تصبح سرعة الربط بين الخوادم عاملاً حاسماً، وليس مجرد تفصيل تقني. لذلك تراهن STMicro على أن الطلب على هذه التقنيات سيزداد كلما اقتربت مراكز البيانات من حدودها الحالية في الطاقة والحرارة وسرعة الاتصال.
مصنع Crolles في فرنسا.. قلب الرهان الأوروبي على الفوتونيات
بحسب Reuters أيضاً، تدرس STMicro إمكانية توسيع إضافي لموقعها الصناعي في Crolles بفرنسا قبل نهاية 2026، مع صعود الطلب على الفوتونيات السيليكونية المرتبطة بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. هذا الموقع يعتمد على رقاقات 300 ملم ويعد محورياً في إنتاج منصات الشركة البصرية.
الشركة كانت قد أعلنت في مارس دخول منصة PIC100 للإنتاج بكميات كبيرة لدعم الطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع خطط لزيادة القدرة الإنتاجية بشكل كبير خلال 2027 والتوسع أكثر في 2028. هذه المعطيات تمنح الخبر بعداً صناعياً مهماً: أوروبا لا تريد فقط متابعة طفرة الذكاء الاصطناعي من بعيد، بل تحاول بناء جزء من أدواتها داخل مصانعها ومختبراتها.
لماذا يهم هذا الخبر أوروبا والمغرب أيضاً؟
الخبر يبدو في ظاهره مالياً وتقنياً، لكنه يحمل دلالة أوسع. فأوروبا التي تتحدث كثيراً عن السيادة الرقمية وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية والآسيوية، تجد في شركات مثل STMicro فرصة لتقوية حضورها في حلقة استراتيجية من صناعة الذكاء الاصطناعي. صحيح أن القارة لا تنافس حالياً Nvidia في معالجات التدريب الرئيسية، لكنها تستطيع أن تبني وزناً مؤثراً في المكونات التي تجعل مراكز البيانات تعمل بكفاءة.
وبالنسبة لأسواق مثل المغرب، فإن هذا النوع من الأخبار يساعد على فهم الاتجاه العالمي المقبل: الاقتصاد الرقمي لن يقوم فقط على التطبيقات والمنصات، بل على بنية تحتية مادية ضخمة من الطاقة، الكابلات، الرقائق، ومراكز البيانات. ومع توسع استعمال الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية، التعليم، الإدارة، الإعلام والصناعة، ستصبح جودة البنية التحتية الرقمية عاملاً حاسماً في جاذبية الدول للاستثمار.
من السيارات إلى مراكز البيانات.. تحوّل في بوصلة شركات الرقائق
لسنوات، ارتبط اسم STMicro بقوة بقطاعات مثل السيارات، الإلكترونيات الصناعية، والهواتف. لكن تباطؤ بعض الأسواق التقليدية، خاصة في فترات تصحيح المخزون، دفع عدداً من شركات الرقائق إلى البحث عن موجات نمو جديدة. الذكاء الاصطناعي، هنا، لا يظهر فقط كقطاع جديد، بل كقوة تعيد توزيع الأولويات داخل الصناعة.
هذا لا يعني أن أعمال السيارات والصناعة فقدت أهميتها، لكنها لم تعد وحدها كافية لتفسير تقييمات الشركات أو طموحات المستثمرين. مراكز البيانات أصبحت واحدة من أكثر المناطق سخونة في السوق، لأن الإنفاق عليها لا يأتي فقط من شركات التكنولوجيا، بل من السحابة، الاتصالات، الحكومات، البنوك، والقطاعات التي تريد إدخال الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية.
القفزة لا تعني أن الطريق بلا مخاطر
رغم قوة الأرقام الجديدة، يبقى الخبر مرتبطاً بتوقعات مستقبلية. فالشركة نفسها ربطت إمكانية مضاعفة مداخيل 2027 باستمرار الدينامية الحالية ومع الارتباطات القائمة. أي أن التنفيذ الصناعي، قدرة الموردين، توفر التغليف المتقدم، واستقرار الطلب من كبار العملاء، كلها عوامل ستحدد ما إذا كان هذا التفاؤل سيتحول إلى نتائج طويلة الأمد.
كما أن موجة الذكاء الاصطناعي تخلق حالياً حماساً كبيراً في الأسواق، وقد تدفع الأسهم إلى مستويات مرتفعة بسرعة. لذلك من المهم صحفياً التعامل مع القفزة على أنها مؤشر ثقة قوي، وليس ضماناً بأن النمو سيستمر بنفس الوتيرة إلى ما لا نهاية. النجاح في هذا القطاع يحتاج إنتاجاً مستقراً، عقوداً طويلة، وتفوقاً تقنياً قادراً على الصمود أمام منافسة شديدة.
الذكاء الاصطناعي يفتح باباً أوروبياً جديداً في صناعة الرقائق
رفع STMicro لأهداف مداخيل مراكز البيانات إلى حوالي مليار دولار في 2026 ليس مجرد تعديل مالي، بل إشارة إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي بدأت تخلق أبطالاً جدد في زوايا مختلفة من سلسلة القيمة. فالشركة لا تنافس بالضرورة في واجهة المعالجات الأكثر شهرة، لكنها تراهن على ما تحتاجه هذه المعالجات لتعمل: الربط السريع، الطاقة المستقرة، والإدارة الحرارية والبصرية داخل مراكز البيانات.
وبين قفزة السهم إلى أعلى مستوى منذ 25 عاماً وطموحات التوسع في فرنسا، يبدو أن STMicro تحاول تحويل موجة الذكاء الاصطناعي إلى فرصة صناعية أوروبية حقيقية. السؤال المقبل لن يكون فقط: من يصنع أقوى معالج؟ بل أيضاً: من يملك البنية التي تجعل هذا المعالج قادراً على العمل داخل عالم يزداد عطشاً للحوسبة؟
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله