لم تكن الكلمة التي ألقاها السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، باسم المجموعة الإفريقية، خلال الاحتفال بالذكرى الثمانين لميثاق الأمم المتحدة، مجرد خطاب دبلوماسي عابر، بل جاءت بمثابة رسالة سياسية قوية إلى المجتمع الدولي، مفادها أن العدالة الدولية لن تكتمل ما دامت إفريقيا غائبة عن مراكز صناعة القرار العالمي، وأن إصلاح منظومة الأمم المتحدة لم يعد مطلباً مؤجلاً، بل ضرورة تفرضها التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم.
لقد اختار المغرب أن يتحدث بلسان إفريقيا، لا باعتباره ممثلاً لدولة بعينها، وإنما صوتاً لقارة تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة، وتزخر بثروات طبيعية وبشرية هائلة، لكنها لا تزال تعاني من اختلال واضح في تمثيلها داخل المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها مجلس الأمن، الذي ظل لعقود طويلة يعكس موازين القوى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، أكثر مما يعكس واقع القرن الحادي والعشرين.
إن الرسالة التي حملها المغرب إلى الأمم المتحدة تنطلق من قناعة راسخة بأن الأمن والسلم الدوليين لا يمكن أن يتحققا في ظل استمرار التفاوت في تمثيل القارات داخل أجهزة القرار. فكيف يمكن الحديث عن نظام دولي عادل، بينما تظل إفريقيا، التي تضم 54 دولة عضواً في الأمم المتحدة، القارة الوحيدة التي لا تتوفر على مقعد دائم في مجلس الأمن؟ وكيف يمكن لمنظومة تدافع عن المساواة والإنصاف أن تستمر في تجاهل قارة أصبحت رقماً أساسياً في معادلات الاقتصاد العالمي، والطاقة، والأمن، والهجرة، والتنمية المستدامة؟
لقد أعاد المغرب التذكير، من خلال هذه المناسبة التاريخية، بأن إفريقيا لم تكن حاضرة عند صياغة ميثاق الأمم المتحدة سنة 1945، لأن معظم دولها كانت ترزح آنذاك تحت الاستعمار. واليوم، وبعد مرور ثمانية عقود، لم يعد مقبولاً أن يستمر هذا الإرث التاريخي في التأثير على بنية النظام الدولي، وكأن الزمن لم يتغير، وكأن القارة الإفريقية لم تصبح شريكاً أساسياً في مواجهة التحديات العالمية.
ولم تكن هذه الرسالة معزولة عن التوجه العام للدبلوماسية المغربية، التي جعلت من العمق الإفريقي للمملكة خياراً استراتيجياً ثابتاً. فمنذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، وهو يعمل على ترسيخ شراكات قائمة على التعاون جنوب-جنوب، والاستثمار، ونقل الخبرات، وتعزيز الأمن الغذائي، والتكوين، وربط الاقتصادات الإفريقية بمشاريع تنموية كبرى، في رؤية تعتبر أن ازدهار المغرب مرتبط بازدهار محيطه الإفريقي.
ومن هذا المنطلق، فإن دفاع المغرب عن إنصاف إفريقيا داخل الأمم المتحدة ليس موقفاً ظرفياً أو خطاباً مناسباتياً، بل امتداد لسياسة خارجية تؤمن بأن مستقبل القارة يجب أن يصنعه الأفارقة أنفسهم، وأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال شراكات متكافئة، واحترام سيادة الدول، وتعزيز التعاون بدل منطق الوصاية أو التبعية.
لقد حملت كلمة عمر هلال أيضاً رسالة ضمنية إلى القوى الكبرى، مفادها أن إصلاح الأمم المتحدة لم يعد قضية تقنية مرتبطة بتوسيع مجلس الأمن أو تعديل آليات التصويت، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمصداقية النظام الدولي. فإذا كانت الأمم المتحدة تدعو إلى العدالة والمساواة بين الشعوب، فإن أول تجسيد لهذه المبادئ ينبغي أن يكون في تمكين إفريقيا من المكانة التي تستحقها داخل مؤسسات اتخاذ القرار.
كما أبرزت الكلمة أن إفريقيا ليست مجرد قارة تطلب الدعم، بل هي مساهم فاعل في حفظ السلم والأمن الدوليين، إذ تشارك دولها في بعثات حفظ السلام، وتؤدي أدواراً محورية في مكافحة الإرهاب، وتسهم في مواجهة التحديات المرتبطة بالمناخ والهجرة والتنمية. ومن ثم، فإن منحها تمثيلية عادلة ليس منّة من أحد، بل استحقاق تفرضه الحقائق السياسية والديمغرافية والاقتصادية.
لقد استطاع المغرب، من خلال هذا الموقف، أن يعزز صورته كدبلوماسية تجمع بين الدفاع عن المصالح الوطنية والانخراط المسؤول في القضايا القارية والدولية. وهي دبلوماسية تقوم على بناء التوافق، وإعلاء صوت الحوار، والدفاع عن إصلاح النظام متعدد الأطراف بما يضمن مزيداً من العدالة والفعالية.
إن الرسالة المغربية التي صدحت من منصة الأمم المتحدة يمكن اختصارها في فكرة واحدة: لا يمكن بناء عالم أكثر أمناً واستقراراً وعدالة، بينما تظل إفريقيا على هامش القرار الدولي. فالإنصاف ليس شعاراً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لتحقيق السلام والتنمية والتوازن داخل النظام العالمي.
وفي الذكرى الثمانين لميثاق الأمم المتحدة، لم يكتف المغرب بالمشاركة في الاحتفال، بل حوّل المناسبة إلى لحظة للترافع من أجل مستقبل أكثر عدلاً للقارة الإفريقية. وهي رسالة تؤكد أن المملكة، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيّده، تواصل ترسيخ موقعها كجسر بين إفريقيا والعالم، وكفاعل دبلوماسي يؤمن بأن مستقبل الأمم المتحدة يمر حتماً عبر إنصاف إفريقيا، وتمكينها من المكانة التي تستحقها في صناعة القرار الدولي.
بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

