لم تكن تلك مجرد لقطة بسيطة بعد مباراة في كأس العالم.
كانت لحظة من تلك اللحظات التي لا تحتاج إلى تعليق، لأن الدموع قالت كل شيء.
بعد تأهل المنتخب المغربي إلى ثمن نهائي كأس العالم 2026، عقب الملحمة الكروية أمام هولندا، خطفت والدة إسماعيل الصيباري الأنظار وهي تحتضن ابنها بحرقة وافتخار، في مشهد اختلطت فيه دموع الأم بفرحة الوطن.
في ذلك الحضن، لم تكن أم الصيباري تعانق لاعبا سجل ركلة حاسمة فقط. كانت تعانق طفلا كبر أمام عينيها، ورافقته بالدعاء والصبر، منذ الأيام التي لم تكن فيها كرة القدم حلما واضحا، بل كان المشي نفسه معركة صغيرة.
تداول محبو اللاعب قصة مؤثرة من طفولته، حين واجه صعوبات صحية مرتبطة بساقيه، واضطر إلى استعمال جهاز طبي لتقويمهما. في تلك المرحلة، لم يكن أحد يتخيل أن ذلك الطفل سيقف يوما في قلب كأس العالم، وأن ملايين المغاربة سيحبسون أنفاسهم وهو يتقدم لتسديد ركلة مصيرية.
لكن الأمهات يعرفن ما لا يعرفه العالم.
كانت أمه ترى فيه ما لم يره الآخرون.
كانت تؤمن به حين كان الطريق طويلا.
وكانت دعواتها، كما تقول القصة، ترافقه في صمت، من الألم الأول إلى المجد الكبير.
وحين تقدم الصيباري أمام هولندا لتسديد ركلة الترجيح، لم يكن يحمل ضغط المباراة وحده. كان يحمل سنوات من الكفاح، وذاكرة بيت كامل، وصبرا لا يعرفه إلا من عاش بداياته الصعبة.
سدد الكرة بثبات.
اهتزت الشباك.
وانفجر المغرب فرحا.
لكن المشهد الأجمل لم يكن في ركلة الجزاء فقط، بل في تلك اللحظة التي عاد فيها الابن إلى حضن أمه. هناك، سقطت كل المسافات بين الطفولة والمجد. وهناك، بدا واضحا أن الانتصار الحقيقي لا يبدأ دائما من الملعب، بل قد يبدأ من غرفة علاج، ومن دمعة أم، ومن دعاء في آخر الليل.
إسماعيل الصيباري لم يمنح المغرب ركلة تأهل فقط. منح الكثيرين قصة أمل. قصة تقول إن البدايات الصعبة لا تمنع النهايات العظيمة، وإن الطفل الذي يواجه الألم اليوم قد يصبح غدا بطلا تصفق له الملاعب.
ولذلك تفاعل المغاربة بقوة مع صورة والدته، لأنها لم تكن صورة عائلية خاصة فقط، بل كانت مرآة لأمهات كثيرات ضحين في صمت، وآمنّ بأبنائهن حين شك الجميع، وفرحن أخيرا حين جاء يوم الحصاد.
في ليلة مونتيري، فاز المغرب على هولندا بركلات الترجيح، وتأهل إلى ثمن النهائي. لكن بعيدا عن الأرقام والنتائج، ربح المغاربة قصة إنسانية ستبقى عالقة في الذاكرة: أم تبكي فرحا، وابن يعانقها بعد أن صار حلمها حقيقة أمام العالم.
ذلك الحضن لم يكن نهاية الحكاية.
كان دليلا على أن دعاء الأم قد يصنع طريقا من الألم إلى المجد.

