حين يُنسى صُنّاع الأثر… لماذا لا نعرف الأمير يونس ود الدكيم كما نعرف مشاهير العالم؟

أكادير والجهات

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

في زمنٍ تُصنع فيه الشهرة بسرعة الضوء، وتُقاس القيمة بعدد المشاهدات والمتابعين، تبرز مفارقة لافتة: شخصياتٌ غيّرت حياة ملايين البشر تبقى مجهولة لدى كثيرين، بينما يتحول آخرون إلى رموز عالمية بمجرد نجاحهم في مجال التكنولوجيا أو الترفيه. ومن بين هذه النماذج التي يثار حولها الجدل والدهشة اسم الأمير يونس ود الدكيم، الرجل الذي تُنسب إليه أعمال دعوية وإنسانية واسعة في أفريقيا، وتُطرح سيرته اليوم بوصفها مثالاً على “العطاء الصامت” الذي لم ينل نصيبه من الضوء الإعلامي.

  • بين الأرقام والرواية الشعبية

تُتداول أرقام كبيرة مرتبطة بسيرة الأمير يونس ود الدكيم:

  • إسلام أكثر من 11.2 مليون شخص خلال نحو 29 عاماً من العمل الدعوي.
  • بناء ما يقارب 5700 مسجد .
  • حفر حوالي 9500 بئر ارتوازية.
  • إنشاء حوالي 860 مدرسة ، و 204 مركز إسلامي و 4 جامعات.
  • رعاية و كفالة آلاف الأيتام في مناطق مختلفة من القارة الأفريقية (أزيد من 15000يتيم )
    هذه الأرقام سواء تعاملنا معها بوصفها توثيقاً دقيقاً أو سردية شعبية تعكس حجم التأثير المعنوي تكشف عن صورة رجل ارتبط اسمه بالعمل الميداني المباشر، حيث امتزج البعد الديني بالخدمة الاجتماعية والتنموية في مناطق عانت طويلاً من الفقر ونقص البنية التحتية.
  • جذور تاريخية: من المهدية إلى العمل المجتمعي

ينتمي الأمير يونس ود الدكيم إلى سياق تاريخي مهم هو سياق الدولة المهدية في السودان، وهي تجربة سياسية ودينية تركت أثراً عميقاً في تاريخ المنطقة أواخر القرن التاسع عشر.
وقد عُرف بين أمراء المهدية بدوره القيادي، قبل أن تتحول حياته وفق الروايات المتداولة إلى العمل الديني والاجتماعي بعد سقوط الدولة.
وخلال فترة الحكم الاستعماري، عاش في أم درمان تحت رقابة الإدارة البريطانية، لكنه احتفظ بمكانته الروحية والاجتماعية، وكان يؤم الناس في المناسبات الدينية، وهو ما يعكس استمرار تأثيره الرمزي رغم التحولات السياسية.

  • لماذا يُعرف ستيف جوبس أكثر؟

حين توفي ستيف جوبس، امتلأت وسائل الإعلام العالمية بالتحليلات والوثائقيات والكتب التي تستعرض إنجازاته.
السبب لا يرتبط فقط بحجم الإنجاز، بل بطبيعة العصر نفسه:

  • الإعلام العالمي يركز على الاقتصاد والتكنولوجيا لأنها تمس حياة المستهلك مباشرة.
  • توثيق الإنجازات في الغرب يعتمد على مؤسسات إعلامية وأكاديمية قوية تحفظ السيرة وتنشرها.
  • العمل الإنساني في مناطق نائية غالباً ما يحدث بعيداً عن عدسات الإعلام الدولي.
    وهنا تظهر الفجوة: ليس الفرق دائماً في قيمة الأثر، بل في قدرة العالم على رؤيته وتوثيقه.
  • بين الحقيقة والأسطورة

الخطاب المتداول حول الأمير يونس ود الدكيم يحمل بعداً عاطفياً واضحاً، إذ يُقدَّم بوصفه نموذجاً للرجل الصالح الذي خدم الناس بصمت. لكن القراءة الصحفية التحليلية تطرح سؤالين مهمين:

  • هل جرى توثيق هذه الإنجازات بمصادر تاريخية وأرشيفية مستقلة؟
  • أم أن تضخم الأرقام يعكس رغبة المجتمع في صناعة رمز أخلاقي يلهم الأجيال؟
    في كثير من الأحيان، تتحول الشخصيات التاريخية إلى رموز تتجاوز الوقائع الدقيقة، لأن المجتمعات تحتاج إلى قصص تُعيد تعريف معنى النجاح بعيداً عن المال والشهرة.
  • أزمة الذاكرة الجماعية

تكشف هذه القصة عن مشكلة أوسع: ضعف الاهتمام العربي والأفريقي بتوثيق أعلام العمل الاجتماعي والدعوي مقارنة بالاهتمام بالسياسة أو الصراعات. فالذاكرة الجماعية كثيراً ما تحفظ أسماء القادة العسكريين أو النجوم العالميين، لكنها تُهمل من عملوا في بناء الإنسان نفسه.

  • ماذا يعني أن نعرفه اليوم؟

سواء كانت كل الأرقام المتداولة دقيقة أو جزءاً من رواية شعبية متوارثة، فإن سيرة الأمير يونس ود الدكيم تطرح سؤالاً عميقاً:
هل نقيس قيمة الإنسان بما يراه العالم، أم بما يتركه من أثر في حياة الآخرين؟
ربما لا تكمن أهمية هذه السيرة في المقارنة مع مشاهير العصر، بل في إعادة توجيه النقاش نحو معنى الإنجاز الحقيقي: خدمة الناس، وبناء الإنسان، والعمل بعيداً عن الأضواء… حيث يصنع التاريخ أحياناً أعظم رجاله في صمت.