في زمنٍ تتشابك فيه الأصوات وتتعالى فيه الخلافات السياسية والفكرية، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: هل يعني النضال بالضرورة معاداة الوطن أو الوقوف ضد وحدته الترابية ؟
الجواب الذي تؤكده تجارب الشعوب وتاريخ الأمم هو: لا. فالنضال الحقيقي لا يكون هدمًا للوطن، بل سعيًا لإصلاحه، ولا يتحقق عبر تمزيق الصفوف، بل عبر تقوية الروابط بين أبناء الوطن الواحد مهما اختلفت آراؤهم وتوجهاتهم.
لقد ارتبط مفهوم النضال عبر التاريخ بالدفاع عن الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. والمناضل الحقيقي ليس ذلك الشخص الذي يزرع الفتنة أو يؤجج الانقسامات، وإنما هو من يحمل همّ الوطن ويسعى إلى تصحيح اختلالاته بوعي ومسؤولية. فحب الوطن لا يعني الصمت عن الأخطاء، كما أن انتقاد السياسات أو المطالبة بالإصلاح لا يعني الخيانة أو العداء للوحدة الوطنية.
غير أن النضال أيضًا لا يعني أن يتحول الإنسان إلى أداة تخدم أجندات أعداء الوطن، أو أن يبرر الإساءة إلى بلاده تحت شعار الحرية أو المعارضة. فهناك فرق كبير بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين الخطابات التي تستقوي بالخارج أو تسيء لصورة الوطن من أجل تحقيق مصالح ضيقة أو مكاسب شخصية. فالوطن ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل كيانٌ جامع يجب أن يبقى فوق كل الخلافات.
كما أن النضال لا يعني أن يفضّل الإنسان أوطانًا أخرى على وطنه، أو أن يفقد انتماءه الحقيقي كلما اشتدت الأزمات. فالأوطان لا تُقاس بمدى كمالها، لأن لا وطن كامل، وإنما تُقاس بمدى ارتباط أبنائها بها وقدرتهم على العمل من أجلها رغم الصعوبات. فالمناضل الصادق لا يهرب من مشاكل وطنه، بل يواجهها ويساهم في إيجاد الحلول لها.
ولعل من أخطر الممارسات التي تُسيء إلى مفهوم النضال، تحويل قضايا الوطن الداخلية إلى مادة للتشهير والإساءة أمام الآخرين، فيما يُعرف شعبيًا بـ”نشر الغسيل”. فالإصلاح الحقيقي لا يكون بفضح الأوطان أو تشويه صورتها، بل بطرح المشاكل بوعي ومسؤولية، والعمل على معالجتها داخل الوطن ومن أجل الوطن. لأن الهدف من النضال ليس الانتقام من البلد، وإنما الارتقاء به.
إن النضال الحقيقي هو أن تناضل من أجل الوطن وداخل الوطن، أن تدافع عن حقوق الناس دون أن تهدم مؤسسات الدولة، وأن تطالب بالإصلاح دون أن تمسّ وحدة المجتمع أو استقراره. هو أن تختلف باحترام، وأن تعارض بوعي، وأن تؤمن بأن قوة الأوطان تكمن في تماسك شعوبها لا في انقسامها.
الوحدة الوطنية ليست شعارًا سياسيًا عابرًا، بل هي أساس استقرار الدول وقوة المجتمعات. وعندما تتعرض الأوطان للأزمات، تظهر قيمة التماسك الوطني الذي يحفظ الأمن والاستقرار ويمنع الانزلاق نحو الفوضى. غير أن هذه الوحدة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها إلغاءً للاختلاف أو مصادرةً للرأي الآخر، لأن التنوع في الأفكار والانتماءات هو عنصر غنى لا عنصر تهديد، ما دام الجميع يحتكم إلى المصلحة العليا للوطن.
إن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالشعارات المرتفعة، بل بالفعل المسؤول والموقف المتزن. فالمناضل الشريف هو من يختلف دون أن يكره، وينتقد دون أن يهدم، ويطالب بالإصلاح دون أن يفرط في وحدة وطنه. لأن الوطن في النهاية ليس ملكًا لفئة أو تيار، بل بيتٌ يتسع للجميع، وحمايته مسؤولية مشتركة لا تقبل المزايدة.
ويبقى الدرس الأهم أن قوة الأوطان لا تأتي من غياب الاختلاف، بل من القدرة على إدارة هذا الاختلاف بروح وطنية جامعة. فالنضال من أجل العدالة والحرية والكرامة لا يتعارض مع الوحدة الوطنية، بل يمكن أن يكون أحد أهم أسباب ترسيخها عندما يُمارس بوعي، وحكمة، وإيمانٍ بأن الوطن فوق كل اعتبار.
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية