هذا المقال من رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن توجه .

حين تكون الدولة ضحية إعلام “غبي”

كُتّاب وآراء

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

لم يعد من السهل التمييز، في بعض المشاهد الإعلامية الجزائرية الرسمية، بين ما هو إعلامي وما هو عبثي، ولا بين ما يندرج ضمن حرية التعبير وما ينزلق إلى حافة الجريمة العابرة للحدود. أحدث هذه الانزلاقات تمثّل في ظهور شخص يقدّم نفسه كـ“هاكر” على قنوات رسمية أو شبه رسمية، مطلقًا تهديدات صريحة موجّهة إلى دولة ذات سيادة، هي المملكة المغربية، في مشهد يختصر مأزقًا مركّبًا: فشل مهني، جهل قانوني، واستهتار سياسي خطير.

  • القرصنة ليست بطولة إعلامية

القرصنة الإلكترونية، وفق كل الأعراف القانونية الدولية، ليست رأيًا سياسيًا ولا موقفًا نضاليًا، بل جريمة مكتملة الأركان. الـ“Hacking” يُصنّف ضمن الجرائم المعلوماتية التي تستهدف الأنظمة الرقمية، البنى التحتية، والمعطيات السيادية للدول والمؤسسات. وبناءً عليه، فإن استضافة شخص يعلن صراحة أو ضمنًا ممارسته لهذا الفعل، أو يهدد باستخدامه، لا يمكن تبريرها تحت أي غطاء إعلامي أو سياسي.
الأخطر من الفعل الفردي نفسه هو منحه منصة رسمية. فالإعلام، عندما يكون تابعًا للدولة أو ناطقًا باسمها، لا يُعامل كفاعل محايد، بل كجزء من المنظومة الرسمية، وكل ما يُبث عبره يُحسب عليها سياسيًا وقانونيًا.

  • الأساس القانوني الدولي: مسؤولية لا يمكن إنكارها

اتفاقية بودابست لمكافحة الجريمة المعلوماتية (2001)، وهي المرجع الدولي الأهم في هذا المجال، تضع إطارًا واضحًا لا لبس فيه. فالمواد 2 و4 و5 و6 تجرّم الدخول غير المشروع، تخريب المعطيات، تعطيل الأنظمة، واستعمال أو الترويج لأدوات القرصنة. لكن الأخطر هو المادة 12، التي تُقرّ بمسؤولية الهيئات الاعتبارية بما فيها المؤسسات الإعلامية إذا ثبت أنها ساهمت أو سهّلت أو شجّعت على الجريمة.
بمعنى آخر: القناة التي تلمّع “هاكرًا” أو تتيح له تهديد دولة أخرى، لا تقف على الهامش القانوني، بل تدخل مباشرة في دائرة المساءلة.
حتى في حال عدم توقيع الدولة المعنية على اتفاقية بودابست، فإن هذه المواد تُستخدم مرجعًا دوليًا معتمدًا في توصيف الجرائم السيبرانية، خصوصًا في القضايا العابرة للحدود.

  • من التهديد الإعلامي إلى العدوان غير التقليدي

الأمر لا يتوقف عند حدود الجريمة المعلوماتية. فميثاق الأمم المتحدة، في مادته الثانية (الفقرة 4)، يحظر التهديد باستخدام القوة ضد سلامة أراضي أو سيادة أي دولة. وفي العصر الرقمي، لم تعد القوة حكرًا على السلاح التقليدي؛ فالتهديدات السيبرانية المعلنة، حين تصدر عبر منابر رسمية، يمكن تصنيفها كشكل من أشكال العدوان غير التقليدي.
وهنا تنتقل المسؤولية من شخص “هاكر” مجهول إلى دولة سمحت، أو غضّت الطرف، عن تحويل شاشاتها إلى منصات تهديد.

  • المسارات القانونية الممكنة
    قانونيًا، تملك الدولة المستهدفة عدة مسارات:
  • اللجوء إلى القضاء الوطني لمتابعة التهديد والتحريض والاعتداء السيبراني.
  • مساءلة الوسيلة الإعلامية أمام قضاء الدولة التي وقع فيها البث.
  • رفع دعوى دولة ضد دولة أمام محكمة العدل الدولية، إذا اعتُبر الفعل جزءًا من سلوك رسمي ممنهج.
  • التوجّه إلى الأمم المتحدة عبر شكاية رسمية لمجلس الأمن أو الأمين العام، باعتبار التهديد مساسًا بسيادة دولة عضو.
  • إعلام بلا وعي… ودولة تدفع الثمن

المشكلة الحقيقية لا تكمن في “هاكر” مغمور يبحث عن الأضواء، بل في إعلام يفتقر إلى الحد الأدنى من الوعي القانوني والاستراتيجي. إعلام لا يدرك أن ما يُقال على الشاشة قد يتحوّل إلى وثيقة إدانة، وأن التهريج السياسي قد يُكلّف الدولة أكثر مما يتصوّر القائمون عليه.
فالقرصنة ليست رأيًا، والتهديد ليس حرية تعبير، والإعلام الرسمي ليس حانة لتصفية الحسابات. وأي دولة تسمح بتحويل شاشاتها إلى منابر للبلطجة الرقمية، تتحمّل شاءت أم أبت مسؤولية سياسية وقانونية كاملة عن ذلك.
وفي النهاية، قد يكون أخطر ما في المشهد ليس عدوانية الخطاب، بل غباء المنصة التي احتضنته.