بقلم: أحمد بومهرود، باحث في الإعلام والصناعة الثقافية
في مشهد احتفالي أُريد له أن يكون «تاريخيًا»، أُعلن من فندق مازفران بمدينة زرالدة غرب الجزائر عن تأسيس الاتحادية الصحراوية لكرة القدم، في خطوة قُدّمت بوصفها تعزيزًا لـ«مؤسسات» ما يُسمّى ب “الجمهورية” “العربية “”الصحراوية” “الديمقراطية” كما تسميها صانعتها الجزائر ، وفتحًا لباب «الدبلوماسية الرياضية» نحو اعتراف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ثم الاتحاد الدولي لكرة القدم.
كان الخطاب حماسيًا، مليئًا بالمفردات الكبرى: «التاريخ»، «النضال»، «الهوية»، و«تقرير المصير». واستُحضرت تجربة فريق جبهة التحرير الوطني خلال الثورة التحريرية كمرجعية رمزية، في محاولة لإلباس الحدث ثوبًا بطوليًا. كما جرى تنظيم مباراة ودية في ملعب نيلسون مانديلا، بمشاركة لاعبين جزائريين سابقين، يتقدمهم جمال الدين بن العمري، في استدعاء واضح لذاكرة انتصار 2019 لإضفاء وهج على مولود يبحث عن شرعية.
غير أن القراءة الباردة لما جرى تكشف مفارقة عميقة: هل نحن أمام مشروع رياضي حقيقي، أم محاولة إنعاش سياسي عبر قميص منتخب وشعار اتحاد؟
إن تأسيس اتحاد لكرة القدم ليس مجرد إعلان رسمي أو مباراة استعراضية، بل هو مسار طويل يتطلب اعترافًا قانونيًا، وبنية تحتية، وأندية ناشطة، ومسابقات منتظمة، وهيئات تحكيم، وقاعدة جماهيرية داخل إقليم واضح المعالم والسيادة. أما الرهان على «الاختراق الرياضي» لتعويض تعثر سياسي، فغالبًا ما يكون أقرب إلى المناورة الرمزية منه إلى المشروع المؤسسي.
وهنا تحضر الحكاية الشعبية التي تختصر المشهد :
شاب طموح تزوج عجوزًا ثرية طمعًا في قطيع أبقارها. كان يظن أنها على مشارف النهاية، وأنه سيرث القطيع سريعًا، فينعم باللبن والجبن والثروة دون عناء. كانت خطته بسيطة: انتظار قصير ثم جني الغنيمة. لكن ما لم يحسب له حسابًا أن القدر يسير بطرق معاكسة؛ فلم تمت العجوز، بل نفقت الأبقار جميعًا بمرض مفاجئ. اختفت الثروة، وبقيت العجوز. وحين سُئل الشاب عن حاله، أجاب مرتبكًا: «هذا ما ورثته من الأبقار… هكذا كانت الصفقة».
في السياسة كما في الحكايات، أحيانًا تُبنى الاستراتيجيات على افتراضات خاطئة. يُظن أن الزمن سيُضعف طرفًا ويقوّي آخر، وأن الرهان الطويل سيؤتي أكله. لكن حين تتبدل المعادلات الدولية، وتتغير مواقف الدول، وتتراجع أوراق الضغط، يصبح البحث عن مسارات بديلة ضرورة. ومن هنا قد يظهر «الاتحاد الكروي» بوصفه آخر فكرة في جعبة نظام يسعى إلى إبقاء ملف حليفه حاضرًا في التداول.
والمفارقة أن الرياضة، بطبيعتها، ميدان تنافسي صارم لا يعترف بالشعارات. فعضوية الاتحاد الدولي لكرة القدم ليست قرارًا عاطفيًا، واعتراف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لا يُمنح بخطاب سياسي؛ ولا ببرميل بترول ، إذ توجد شروط قانونية وسيادية معقدة، وحسابات تتجاوز حدود الملعب.
لذلك يبدو المشهد أقرب إلى محاولة خلق انتصار رمزي في وقت تتضاءل فيه الانتصارات الملموسة. مباراة ودية قد تُملأ بالتصفيق والصور التذكارية، لكن ما بعد صافرة النهاية يظل سؤالًا مفتوحًا: ماذا بعد الإعلان؟ ما هي الخطة الواقعية للاعتراف؟ وكيف سيتحول الكيان الجديد من عنوان سياسي إلى مؤسسة رياضية قائمة بذاتها؟ وأين الدولة؟
في نهاية المطاف، قد يُكتب لهذا الاتحاد أن يخوض مباريات ويشارك في بطولات غير رسمية، وقد ينجح في كسب تعاطف بعض الدوائر. لكن تحويل الكرة إلى بديل عن السياسة يظل رهانًا محفوفًا بالمخاطر.
القصة إذن ليست قصة اتحاد فحسب، بل قصة رهان طويل بُني على انتظار نهاية سريعة لم تأتِ كما خُطط لها. الأبقار نفقت، والعجوز بقيت، والحظيرة تحتاج إلى أكثر من لافتة جديدة لتعود عامرة.
أما السؤال الحقيقي فليس متى تُقام المباراة التالية، بل: هل يمكن لكرةٍ أن تعوّض مشروعًا سياسيًا يواجه رياحًا معاكسة؟
وقد يبقى الاتحاد الكروي قائمًا حتى إن تغيّرت المعادلات السياسية، لكن السؤال يظل مفتوحًا حول جدوى الرهان الرياضي في سياق صراع سياسي معقّد.

