بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
ليس من السهل على أبناء أيت ياسين أن يصعدوا اليوم إلى سفوح جبل كير.
هناك حيث كانت الحياة تنبض في كل موسم، يسكن الصمت.
وحيث كان الأخضر يكسو الجبل، تمتد الآن مساحات شاسعة يابسة، شاهدة على واحدة من أكبر الكوارث الفلاحية التي عرفها المغرب.
جبل كير لم يكن مجرد مجال طبيعي مزروع بالصبار، بل كان القلب النابض للمنطقة. أكثر من 30 ألف هكتار كانت تشكل أكبر حزام للصبار في المغرب، ومصدر عيش مباشر وغير مباشر لآلاف الأسر. لكنه كان أيضًا أكثر من ذلك: كان موسمًا، وموعدًا سنويًا يجمع الناس كما تجمعهم الأعياد.
- موسم كان يجمع القبيلة
في كل صيف، كان أبناء القبيلة يتوافدون على الجبل من حيثما وجدوا، يعودون إليه بشوق يشبه الحنين إلى الجذور. وكانت قبائل صحراوية أخرى تحجّ إلى المنطقة، تمكث فيها طيلة الموسم، في مشهد إنساني نادر يجمع بين الفلاحة والتآزر الاجتماعي.
كان الزوار يغادرون وهم يحملون معهم فاكهة الصبار، خاصة “الشريحة” و”توزليمة”، وكأنهم يحملون بركة المكان.
وكان هناك من يأتي طلبًا للتعافي، مؤمنًا بخصائص الصبار العلاجية، مستفيدًا من بيئة نظيفة وهواء نقي افتقدته كثير من المناطق.
لم يكن الصبار مجرد محصول.
كان نمط حياة
- حين اختفى الصبار… اختفى الموسم
ثم جاءت الحشرة القرمزية.
في سنوات قليلة، انهارت المنظومة بأكملها. أكثر من 30 ألف هكتار تضررت، في أكبر ضربة تصيب مجالًا مزروعًا بالصبار على الصعيد الوطني.
اختفى الأخضر، واختفى معه الموسم.
لم تعد هناك وفود، ولا حركة، ولا ذلك الإحساس الجماعي بالحياة الذي كان يميز جبل كير.
لكن المؤلم أكثر من الكارثة نفسها، هو ما تلاها.
- أكبر المتضررين… خارج برامج التأهيل
رغم مرور السنوات، ورغم إطلاق برامج لإعادة تأهيل زراعة الصبار في عدة مناطق من المغرب، فإن فلاحي جبل كير أكبر المتضررين على الإطلاق لم يتلقوا إلى اليوم ولا شتلة واحدة لإعادة الغرس.
نعم، ولا شتلة واحدة.
في الوقت الذي بدأت فيه الحقول تتجدد في مناطق أخرى، ما زال جبل كير ينتظر.
ينتظر التفاتة تعكس حجم خسارته.
وينتظر إنصافًا يتناسب مع كونه أكبر مجال منكوب.
كيف يمكن لمنطقة فقدت أكثر من 30 ألف هكتار أن تبقى خارج الأولويات؟
كيف يمكن أن يُعاد بناء المنظومة الوطنية للصبار دون إعادة الحياة إلى أكبر مجال كان يحتضنها؟
- هذا نداء… لا شكوى
أبناء أيت ياسين لا يطلبون امتيازًا، بل عدلًا.
لا يطلبون خطابًا، بل غرسًا فعليًا.
لا يطلبون وعودًا، بل إدماجًا حقيقيًا في برامج التأهيل.
إن إعادة غرس الصبار بجبل كير ليست مسألة تقنية فقط، بل مسألة إنصاف مجالي واجتماعي.
إنها اعتراف بحجم ما فُقد، وبحق الساكنة في استعادة مورد عيشها وكرامتها وموسمها الذي كان يجمعها.
- قبل أن يفقد الجبل ذاكرته
جبل كير اليوم لا يحتاج شفقة، بل قرارًا واضحًا يضعه في صدارة الأولويات.
لأن تركه في هذا الفراغ لا يعني فقط خسارة نبات، بل يعني تعميق هشاشة منطقة بأكملها.
حين يموت الصبار، يخسر الفلاح موردًا.
لكن حين يتأخر الإنصاف، يخسر الجبل ثقته.
وهذا نداء مفتوح لكل الجهات المعنية:
أن يُعاد النظر في ترتيب الأولويات،
وأن يُمنح جبل كير ما يستحقه من عناية،
قبل أن تتحول أكبر منطقة صبار في المغرب إلى مجرد ذكرى في ذاكرة أبنائها.


التعاليق (0)