“عادي جدا”.. حين يتحول التبرير السهل إلى مرض اجتماعي

مواطنون في سوق شعبي وسط نقاش حول الغلاء

هناك عبارة قصيرة أصبحت تظهر في كل نقاش تقريبا، لكنها تحمل داخلها خطرا أكبر مما يبدو: “عادي جدا”.

ترتفع الأسعار؟ عادي جدا.
تتعب الأسرة من الغلاء؟ عادي جدا.
تختل الخدمات؟ عادي جدا.
ينتشر الفساد السياسي؟ عادي جدا.
تغيب المحاسبة؟ عادي جدا.
تسوء الأوضاع؟ عادي جدا.
تسأل عن السبب، فلا تجد جوابا إلا جملتين مكررتين: “وماذا فعل الذين سبقوه؟” أو “كلهم مثل بعضهم”.

هكذا ينتهي النقاش قبل أن يبدأ. لا تحليل، لا أرقام، لا فهم، لا محاولة لتفسير ما يقع. فقط تبرير جاهز، بارد، قصير، يطلب منك أن تصمت لأن الفوضى “عادية”، والغلاء “عادي”، والفساد “عادي”، والعجز “عادي”، وكأن المواطن لم يعد من حقه أن يغضب أو يسأل أو يطالب بفهم ما يحدث حوله.

المشكلة ليست في الاختلاف السياسي. الاختلاف صحي، ومن حق كل شخص أن يدافع عن قناعته أو اختياره أو موقفه. المشكلة في أن يتحول الدفاع إلى تعطيل للعقل. أن يصبح الشخص عاجزا عن بناء حجة، فيختبئ وراء عبارة “عادي جدا”. تسأله: لماذا ارتفع الثمن؟ لا يجيب. تسأله: من المسؤول؟ لا يجيب. تسأله: ما الحل؟ لا يجيب. تسأله: هل لديك رقم أو تفسير؟ يصمت، أو يعود إلى الجملة نفسها: “عادي جدا”.

هذه ليست قناعة. هذا استسلام مقنع في شكل رأي.

حين يبرر الإنسان الغلاء دون أن يشرح أسبابه، فهو لا يدافع عن الاقتصاد، بل يطبع مع الألم. وحين يبرر الفساد السياسي بالقول إن “الذين سبقوا فعلوا الشيء نفسه”، فهو لا ينتقد الماضي ولا يحاسب الحاضر، بل يمنح الجميع رخصة مفتوحة للفشل. وحين يعتبر الفوضى أمرا عاديا، فهو لا يرى أن الفوضى تسلب الناس وقتهم ومالهم وكرامتهم، بل يحولها إلى قدر اجتماعي لا مفر منه.

أخطر ما في “عادي جدا” أنها تقتل الحس النقدي. تجعل المواطن يتعايش مع الاختلال بدل مساءلته. تجعله يرى الغلاء وكأنه طقس طبيعي، لا نتيجة سياسات وأسواق ووسطاء ومراقبة وقرارات. تجعله يرى الفساد وكأنه جزء من الهواء، لا سلوكا يجب فضحه ومحاصرته. تجعله يرى الرداءة وكأنها نصيب محتوم، لا مشكلة يمكن إصلاحها.

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية: عندما يصبح تبرير الخطأ أسهل من الاعتراف به.

في النقاشات اليومية، تلاحظ أن بعض الناس لا يحتاجون إلى معرفة الملف الذي يتحدثون عنه. لا يعرفون تفاصيل الأسعار، ولا بنية السوق، ولا مسار الدعم، ولا مسؤوليات المؤسسات، ولا الفرق بين قرار حكومي وسلوك تجاري وخلل في المراقبة. ومع ذلك، يملكون جوابا لكل شيء: “عادي جدا”.

هذا النوع من النقاش لا يضيف شيئا. إنه يستهلك الهواء فقط. لأن من يبرر كل شيء لا يناقش أي شيء. ومن يعتبر كل اختلال عاديا لا يستطيع أن يرى أين يبدأ الإصلاح. ومن يقول لك إن “الجميع فاسدون” لا يحارب الفساد، بل يساعده على الاختباء وسط الضباب. فالفساد يحب هذه الجملة كثيرا، لأنها تعفيه من تحديد المسؤولية: إذا كان الكل فاسدا، فلا أحد فاسد بعينه. وإذا كان كل شيء عاديا، فلا شيء يستحق المحاسبة.

الوعي لا يبدأ بالصراخ، لكنه يبدأ برفض التطبيع مع ما يؤذي الناس. من حق المواطن أن يسأل: لماذا ارتفعت الأسعار؟ لماذا لا ينعكس الدعم على السوق؟ لماذا تتكرر الفوضى؟ لماذا لا يحاسب المسؤول؟ لماذا لا تتحسن الخدمات؟ هذه الأسئلة ليست عداء للوطن، ولا تشويشا، ولا حقدا، ولا شعبوية. إنها الحد الأدنى من المواطنة.

المواطنة لا تعني أن نصفق لكل شيء. ولا تعني أن نبرر كل شيء. ولا تعني أن نقول “عادي جدا” أمام ما يمس حياة الناس. المواطنة تعني أن نفرح بما يستحق الفرح، وننتقد ما يستحق النقد، ونطلب الحجة، ونرفض أن يتحول الألم اليومي إلى أمر مألوف.

الغلاء ليس عاديا عندما يبتلع أجرة شهر كامل.
الفساد ليس عاديا عندما يحرم الناس من حقهم.
الفوضى ليست عادية عندما تصبح أسلوب تدبير.
ضعف الخدمات ليس عاديا عندما يؤدي المواطن ثمنها مرتين.
غياب المحاسبة ليس عاديا عندما يفقد الناس الثقة في المؤسسات.

والأخطر من كل ذلك أن يتحول المواطن نفسه إلى حارس للفوضى، يدافع عنها دون أن يستفيد منها، ويبرر الغلاء وهو أول من يكتوي به، ويدافع عن الفساد وهو أول ضحاياه. هناك من يبرر لمن يرفع الأسعار، ثم يشتكي من القفة. يبرر لمن يفشل، ثم يطلب خدمة أفضل. يبرر لمن لا يحاسب، ثم يستغرب أن يتكرر الخطأ.

هذه المفارقة موجعة: بعض الناس يدافعون عن واقع يسحقهم.

وقد يكون السبب خوفا من الاعتراف بالحقيقة. فقول “عادي جدا” أسهل من مواجهة سؤال صعب. أسهل من الاعتراف بأننا نعيش اختلالا. أسهل من مراجعة الاختيارات. أسهل من الاعتراف بأن من ندافع عنهم قد يخطئون. وأسهل من بناء موقف متوازن يقول: نعم، هناك ما تحقق، لكن هناك أيضا ما فشل ويجب إصلاحه.

الثقافة الصحية لا تبرر كل شيء، ولا تهدم كل شيء. الثقافة الصحية تميز. تقول: هذا جيد، وهذا سيئ. هذا مفهوم، وهذا غير مقبول. هذا ظرفي، وهذا نتيجة سوء تدبير. هذا يحتاج صبرا، وهذا يحتاج محاسبة. أما ثقافة “عادي جدا” فهي لا تميز؛ تطلي كل شيء بلون واحد، وتطلب من الناس أن يقبلوا بما لا يجب قبوله.

في السياسة، هذه الثقافة أخطر. لأنها تمنح المسؤول راحة مجانية. بدل أن يشرح ويقنع ويقدم نتائج، يجد من يبرر عنه. وبدل أن يحاسب، يجد من يقول: “وماذا فعل السابقون؟”. وكأن فشل السابقين يمنح رخصة للفشل الحالي. وكأن المواطن محكوم عليه أن يختار بين فشل قديم وفشل جديد، لا بين برامج ونتائج ومحاسبة.

السؤال الصحيح ليس: ماذا فعل الذين سبقوا؟
السؤال الصحيح هو: ماذا فعل من يتحمل المسؤولية الآن؟
وماذا وعد؟
وماذا أنجز؟
وماذا فشل فيه؟
ومن استفاد؟
ومن دفع الثمن؟

لا يمكن بناء وعي عام بجملتين. ولا يمكن فهم الاقتصاد بمنطق التشجيع الرياضي. ولا يمكن معالجة الغلاء بردود فعل حزبية أو عاطفية. السوق لا يرحم، والفاتورة لا تعرف الولاء، والقفة لا تنخفض بالتصفيق.

نحتاج اليوم إلى ثقافة جديدة في النقاش: لا تقبل تبريرا بلا دليل، ولا غضبا بلا معرفة، ولا دفاعا بلا أرقام، ولا نقدا بلا مسؤولية. نحتاج أن نسأل كل من يقول “عادي جدا”: لماذا هو عادي؟ ما تفسيرك؟ ما حجتك؟ من المسؤول؟ ما الحل؟ فإذا لم يكن لديه جواب، فليعترف بأن الأمر ليس تحليلا، بل عادة في التبرير.

ليست المشكلة أن يكون الإنسان بسيطا. البساطة ليست عيبا. العيب أن يرفض التفكير. العيب أن يحول جهله بالتفاصيل إلى موقف نهائي. العيب أن يبرر ما لا يفهمه فقط لأنه لا يريد أن يعترف بأن شيئا ما غير طبيعي.

المجتمعات لا تتقدم حين تعتبر كل شيء عاديا. تتقدم حين تسمي الأشياء بأسمائها. حين تقول للغلاء: غلاء. وللفساد: فساد. وللفوضى: فوضى. وللفشل: فشل. ثم تبحث عن السبب والحل، لا عن تبرير مريح.

لذلك، في المرة القادمة التي يقول لك فيها أحدهم “عادي جدا”، لا تدخل معه في صراخ. اسأله فقط: لماذا؟ اطلب منه شرحا. اطلب رقما. اطلب سببا. ستكتشف غالبا أن العبارة التي تبدو قوية في البداية لا تحمل وراءها إلا فراغا كبيرا.

وذلك الفراغ، إن تُرك بلا مساءلة، يصبح أخطر من الغلاء نفسه. لأن الغلاء يمكن قياسه ومقاومته. أما تطبيع الغلاء فيقتل الرغبة في المقاومة من الأصل.

عبدالله بن عيسى

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله