لم يعد النقاش حول العملات المشفرة في أوروبا محصوراً في الأسعار والمنصات والتداول السريع، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بحماية المستخدمين، ومكافحة غسل الأموال، وحتى الأمن القومي. في بولندا، جاءت خطوة البرلمان لإقرار قانون جديد لتنظيم سوق الكريبتو في لحظة حساسة، بعدما تحولت قضية منصة Zondacrypto إلى ملف سياسي وقضائي واسع، مع حديث عن خسائر بملايين الدولارات وآلاف المستخدمين العالقين. وبين ضغط الموعد الأوروبي لتطبيق قواعد MiCA ومخاوف الشركات من التنظيم المفرط، تبدو وارسو أمام اختبار صعب: كيف تضبط سوقاً سريع النمو دون أن تخنقه؟
البرلمان البولندي يمرر قانون تنظيم الكريبتو
أقر مشرعون بولنديون، يوم الجمعة، مشروع قانون ينظم سوق العملات المشفرة، في خطوة تهدف إلى مواءمة التشريع المحلي مع لائحة الاتحاد الأوروبي المعروفة باسم MiCA، أي قواعد الأسواق في الأصول المشفرة. وتأتي هذه الخطوة قبل الموعد النهائي الذي تواجهه بولندا لتطبيق الإطار الأوروبي، في وقت تقول فيه الجهات الرقابية إن التأخر قد يضع الشركات البولندية أمام خطر فقدان القدرة على تقديم خدمات الأصول المشفرة داخل السوق الأوروبية.
القانون الجديد يمنح السلطات المالية أدوات أوسع للإشراف على مقدمي خدمات الكريبتو، ويضع السوق ضمن إطار أوضح للترخيص والرقابة والعقوبات. وبحسب المعطيات المتوفرة، لا يتعلق الأمر بحظر شامل للعملات المشفرة، بل بمحاولة نقل السوق من مرحلة التسجيل والرقابة المحدودة إلى مرحلة أكثر صرامة تشبه ما تعمل به قواعد MiCA في باقي الاتحاد الأوروبي.
فضيحة Zondacrypto تزيد الضغط على الحكومة
الخلفية المباشرة لهذا التحرك التشريعي هي تحقيق كبير فتحه الادعاء البولندي حول منصة Zondacrypto، إحدى أبرز منصات العملات المشفرة في البلاد. وتقول رويترز إن آلاف المستخدمين لم يتمكنوا من سحب أموالهم، بينما قدّر الادعاء إجمالي الخسائر بأكثر من 350 مليون زلوتي، أي ما يقارب 96 مليون دولار.
القضية أخذت بعداً سياسياً أيضاً بعدما تحدث رئيس الوزراء دونالد توسك عن شبهات تأثير خارجي وروابط محتملة بأموال روسية، وهي اتهامات لم تُحسم قضائياً بعد. لذلك يظل من المهم التعامل مع هذه المعطيات بوصفها ادعاءات وتحقيقات جارية، وليست أحكاماً نهائية. كما أشارت تقارير بولندية إلى أن مؤسس BitBay، الاسم السابق للمنصة، اختفى منذ سنة 2022، في حين تحدثت وسائل إعلام عن تعقيدات مرتبطة بمكان وجود مسؤولين سابقين عن المنصة.
ما علاقة القانون الأوروبي MiCA؟
تعد MiCA أول محاولة أوروبية شاملة لوضع قواعد موحدة لسوق الأصول المشفرة. ووفق هيئة الأوراق والأسواق الأوروبية ESMA، تغطي هذه القواعد جوانب مثل الشفافية، الإفصاح، الترخيص، حماية المستهلك، وسلامة السوق بالنسبة للجهات التي تصدر أو تتداول أو تحفظ الأصول المشفرة.
بالنسبة لبولندا، لا تكمن المشكلة في وجود MiCA فقط، بل في طريقة إدماجها داخل القانون المحلي. فمقدمو خدمات الكريبتو يحتاجون إلى وضوح حول الجهة المشرفة، متطلبات الترخيص، العقوبات، وفترة الانتقال. ومع اقتراب نهاية الفترة الانتقالية الأوروبية في 1 يوليوز 2026، حذرت ESMA من أن أي مقدم خدمات غير مرخص بعد ذلك التاريخ قد يكون في وضع مخالف للقانون الأوروبي.
خلاف سياسي حول حجم الرقابة
ليست هذه أول محاولة من الحكومة البولندية لتمرير قانون الكريبتو. فقد سبق للرئيس كارول ناوروكي، المدعوم من المعارضة القومية، أن استخدم حق النقض ضد تشريعات مماثلة، معتبراً أن بعض المقترحات قد تدفع شركات العملات المشفرة إلى مغادرة البلاد بسبب أعباء تنظيمية مفرطة.
في المقابل، تقول الحكومة إن غياب إطار صارم يترك المستثمرين والمستخدمين عرضة للاحتيال، ويمنح جهات إجرامية أو أجنبية مجالاً أوسع لاستغلال السوق. وقد طرح الرئيس نفسه مشروعاً بديلاً يتشابه في عدد من النقاط مع مشروع الحكومة، لكنه يتضمن عقوبات أقل حدة بحسب التقارير المتاحة.
ماذا يعني القرار للمستخدمين والشركات؟
بالنسبة للمستخدمين، الرسالة الأساسية هي أن التعامل مع منصات الكريبتو لن يكون آمناً فقط لأن المنصة معروفة أو نشطة إعلامياً. فالقواعد الأوروبية الجديدة تشدد على ضرورة التحقق من الترخيص، ومعرفة الكيان القانوني الذي يتعامل معه المستخدم، وفهم أن الحماية قد تختلف إذا كانت الخدمة تقدم من شركة خارج الاتحاد الأوروبي أو من كيان غير مرخص.
أما الشركات، فقد تجد نفسها أمام مرحلة امتثال مكلفة لكنها ضرورية. فالحصول على ترخيص MiCA يتطلب ترتيبات في الحوكمة، حماية أصول العملاء، الأمن المعلوماتي، الإفصاح، وخطط الخروج المنظم إذا لم تحصل الشركة على الترخيص. هذا قد يضغط على اللاعبين الصغار، لكنه قد يمنح السوق ثقة أكبر على المدى المتوسط.
إقرار قانون تنظيم الكريبتو في بولندا لا يمكن فصله عن فضيحة Zondacrypto ولا عن الموعد الأوروبي القريب لتطبيق MiCA. فالبلاد تحاول الآن سد فراغ تنظيمي ظهر بوضوح عندما عجز آلاف المستخدمين عن الوصول إلى أموالهم، لكن المعركة لم تنته بعد. فالرئيس قد يعرقل النص من جديد، والقطاع يخشى تشريعات قاسية، بينما ترى الحكومة أن التأخير يهدد المستثمرين والأمن المالي. وبين هذه الحسابات، يبقى المستخدم العادي هو الطرف الأكثر حاجة إلى سوق أكثر وضوحاً ورقابة.
