في واحدة من أكبر قضايا تتبع الرساميل المشبوهة، وضع التنسيق الأمني والقضائي بين مكتب الصرف وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة يده على شبكة متخصصة في تزوير وثائق الاستيراد. هذه الشبكة نجحت في تهريب مبالغ مالية ضخمة خارج الحدود، مستغلة ثغرات في فواتير التجارة الدولية لتمويه نشاطها الحقيقي.
وتشير المعطيات التفصيلية للواقعة التي أشارت إليها الصباح إلى أن مراقبي الصرف رصدوا تدفقات مالية ضخمة نحو جمهورية الصين الشعبية، حيث ناهزت القيمة الإجمالية للتحويلات المشبوهة حوالي 400 مليون دولار، أي ما يعادل 380 مليار سنتيم، وذلك في ظرف وجيز لم يتجاوز 14 شهراً. وما زاد من حيرة المحققين هو أن الشركات الثلاث المتورطة في هذه العمليات صرحت برقم معاملات لدى مديرية الضرائب لا يمثل سوى 10% من قيمة وارداتها، مما كشف عن هوة سحيقة بين الواقع التجاري والتحويلات البنكية.
وعقب تعميق البحث مع إدارة الجمارك، تبين وجود تلاعبات خطيرة في قيم السلع المصرح بها. فمن خلال الاستعانة بقواعد بيانات دولية وشركاء أجانب، اتضح أن القيم المدونة في الفواتير المقدمة للبنوك المغربية كانت مضخمة بشكل كبير ولا تتماشى مع الأسعار الحقيقية للموردين الصينيين. هذا التلاعب كان الهدف منه خلق مبرر قانوني أمام المؤسسات المالية لتحويل مبالغ تتجاوز بكثير قيمة السلع المستوردة.
والأخطر من ذلك، كشفت التحريات أن المزود الصيني الذي تتعامل معه هذه الشركات مدرج سلفاً في “اللائحة السوداء” لعدد من إدارات الجمارك الأجنبية التي تربطها بالمغرب اتفاقيات تبادل المعطيات. هذا المؤشر عزز فرضية أن عمليات الاستيراد لم تكن سوى واجهة صورية أو “تمويهية” لتهريب العملة الصعبة لفائدة جهات أخرى مقابل عمولات محددة.
وتعكف السلطات حالياً على تتبع “خيوط الظل” في هذه القضية لمعرفة المصدر الحقيقي لتلك الأموال، خاصة وأن الإمكانيات الذاتية للشركات المتورطة لا تفسر توفرها على هذه الموارد المالية الهائلة. وتأتي هذه التحركات لتؤكد الدور الرقابي الصارم الذي يلعبه مكتب الصرف في تتبع حركات الأموال، والتحقق من أن كل درهم يخرج من المغرب موجه فعلياً لاقتناء بضائع حقيقية بقيمتها العادلة، حمايةً للاقتصاد الوطني من نزيف الرساميل.


التعاليق (0)