بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في عالم سريع التحول، لم تعد التحالفات السياسية ولا الأنظمة السلطوية محصّنة من السقوط، ولم تعد القضايا الانفصالية قادرة على العيش الأبدي على أجهزة التنفس الاصطناعي الخارجي. التطورات الخطيرة التي عرفتها فنزويلا مؤخرًا، وما رافقها من حديث متزايد عن نهاية نظام نيكولاس مادورو، تطرح أسئلة عميقة تتجاوز أمريكا اللاتينية، لتصل مباشرة إلى مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، حيث يعيش آلاف المغاربة الصحراويين وضعًا إنسانيًا وسياسيًا معقّدًا، رهينة حسابات لم يختاروها.
وإذا صحّت المعطيات التي تداولتها مصادر أمريكية حول إخراج مادورو من المشهد السياسي، فإن الحدث لا يُقرأ فقط في ميزان التوازنات الدولية، بل في تأثيره المباشر على شبكة الدعم التقليدي لجبهة البوليساريو. فقد كانت فنزويلا، في عهد تشافيز ثم مادورو، واحدة من أكثر الأنظمة عداءً للوحدة الترابية للمغرب، ووفّرت لسنوات غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا لأطروحة انفصالية فقدت اليوم معظم سندها الدولي.
غير أن المأزق الحقيقي لا يكمن فقط في سقوط هذا “الداعم”، بل في الجهة التي ما تزال تراهن، بإصرار يثير الشفقة أكثر مما يثير الإعجاب، على أنظمة دكتاتورية آيلة للزوال. فالنظام العسكري الجزائري، الذي يتغنّى بشعارات “الممانعة” و”تقرير المصير”، لا يجد حرجًا في الاصطفاف إلى جانب أنظمة منتهية الصلاحية، طالما تشترك معه في القمع، وعداء الاستقرار، والخوف من الشعوب. من كاراكاس إلى هافانا، يبدو أن بوصلة الجنرالات لا تشير إلى المستقبل، بل إلى متاحف الأنظمة الساقطة. والأسوأ من ذلك أن هذا الرهان الخاسر يتم دائمًا على حساب ساكنة مخيمات تندوف، التي تُستعمل كورقة ضغط ثم تُترك لمصيرها كلما انهار “حليف” جديد.
سقوط أحد الأسوار التي كانت تتكئ عليها البوليساريو يضاعف حرج الجزائر، الداعم الرئيسي والفعلي لهذا الكيان، ويعيد طرح سؤال المسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه الصحراويين المحتجزين في المخيمات. فهؤلاء، الذين تم التغرير بهم منذ سبعينيات القرن الماضي، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع دولي جديد: تراجع واضح للأطروحات الانفصالية، وصعود منطق الحلول الواقعية، وعلى رأسها مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب وتحظى بدعم متزايد من قوى دولية وازنة.
الجزائر، التي تواجه بدورها ضغوطًا داخلية وإقليمية متنامية، قد لا تستطيع الاستمرار طويلًا في تحمّل كلفة هذا النزاع المفتعل، لا سياسيًا ولا اقتصاديًا ولا دبلوماسيًا. ومع كل تحوّل دولي، يضيق هامش المناورة، وتتعمق عزلة البوليساريو، بينما تبقى ساكنة المخيمات الحلقة الأضعف في معادلة عبثية لم تخدم إلا حسابات العسكر.
ومن هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: ماذا ينتظر المغاربة الصحراويون في تندوف؟ فالمغرب لم يغلق يومًا باب العودة، بل أطلق مبادرات إنسانية وتنموية، ووفّر ضمانات قانونية واجتماعية واضحة، واضعًا كرامة الإنسان في صلب مقاربته، بعيدًا عن المتاجرة السياسية بمعاناة الأبرياء.
الخاتمة
إن التحولات الجارية تؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الرهان على الخارج رهان خاسر، وأن التعويل على أنظمة دكتاتورية تعيش أيامها الأخيرة ليس سوى تأجيل لانكشاف الحقيقة. فالقضايا العادلة لا تُبنى على أوهام الجنرالات، ولا تُدار من خلف الأسلاك الشائكة. وقبل أن تجد الجزائر نفسها مضطرة للتخلّي عن هذا الملف، صراحة أو ضمنًا، يبقى الخيار العقلاني، الآمن، والإنساني لساكنة مخيمات تندوف هو العودة إلى وطنهم، والمساهمة في بناء مستقبل قائم على الاستقرار والكرامة، بدل انتظار مصير ترسمه أنظمة تسقط واحدة تلو الأخرى، ولا تترك خلفها سوى الخراب والخذلان.


التعاليق (0)