في الوقت الذي تتزايد فيه الدعاوى القضائية والتحذيرات الطبية بشأن تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين، تجد شركات التكنولوجيا الكبرى نفسها أمام سؤال حساس: هل يمكن للشركات التي تربح من بقاء المستخدمين أطول وقت ممكن على الشاشة أن تكون في الوقت نفسه جهة موثوقة لتعليم الأطفال كيف يستعملون التكنولوجيا باعتدال؟ هذا السؤال عاد بقوة بعد تقرير كشف أن Meta وGoogle موّلتا برامج تعليمية موجهة للأطفال داخل الولايات المتحدة، عبر مؤسسات معروفة لدى العائلات مثل Sesame Street وGirl Scouts وHighlights Magazine، في خطوة تقدمها الشركات كدعم للسلامة الرقمية، بينما يراها منتقدون محاولة لتحسين الصورة وتخفيف الضغط القانوني والتنظيمي.
تمويل يطال مؤسسات موثوقة لدى الأطفال
بحسب تقرير نشرته وكالة Reuters، فإن Meta وGoogle قدمتا تمويلاً بملايين الدولارات لمبادرات مرتبطة بالتوعية الرقمية لدى الأطفال، شملت برامج ومواد تعليمية بالتعاون مع علامات ومؤسسات تحظى بثقة واسعة لدى الأسر الأمريكية. ومن بين الأسماء التي وردت في التقرير Sesame Street وGirl Scouts وHighlights Magazine، وهي مؤسسات اعتادت العائلات التعامل معها كمصادر تعليمية وترفيهية للأطفال.
هذه البرامج تقدم عادة نصائح حول كلمات المرور القوية، التعامل اللطيف عبر الإنترنت، حماية المعلومات الشخصية، تجنب الرسائل الاحتيالية، والحد من استعمال الأجهزة قبل النوم. وهي مواضيع مهمة في زمن أصبحت فيه الهواتف والمنصات الرقمية جزءاً من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين.
لماذا يثير الأمر انتقادات؟
الانتقاد الأساسي لا يتعلق فقط بمضمون الدروس، بل بالجهة التي تمولها. فمنتقدون وخبراء في صحة الأطفال يرون أن شركات تعتمد في جزء مهم من نموذجها الاقتصادي على الإعلانات وجذب انتباه المستخدمين لا يمكنها تقديم إرشادات محايدة بالكامل حول تقليل وقت الشاشة أو مقاومة التصميمات التي تشجع على التصفح المتواصل.
ويرى هؤلاء أن تعليم الأطفال كيف يكونون “مسؤولين” رقمياً قد يكون مفيداً، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة إذا بقيت المنصات نفسها مبنية على التوصيات الخوارزمية، الإشعارات المتكررة، التمرير اللانهائي، والمحتوى الذي يدفع المستخدم إلى البقاء مدة أطول. لذلك يطالب خبراء بأن تنتقل المسؤولية من الطفل وحده إلى تصميم المنصة وسياسات الشركة.
Google وMeta تدافعان عن المبادرات
وفق التقرير نفسه، دافعت Google عن هذه الشراكات، مؤكدة أنها تعطي أولوية لسلامة المستخدمين الأصغر سناً عبر أدوات حماية ومراقبة عائلية ومواد توعية رقمية. كما قالت Sesame Workshop إن Google لم تتحكم في المواد التعليمية، وإن خبراء في تنمية الطفل وأولياء أمور شاركوا في تقييم المحتوى.
من جانبها، قالت Meta إن دورها في مواد Girl Scouts كان محدوداً، وإنها فخورة بالعمل مع خبراء في السلامة الرقمية. لكن هذه التوضيحات لم توقف الانتقادات، لأن الجدل الأوسع يدور حول تضارب محتمل بين تمويل التوعية ومصالح المنصات التجارية.
أمثلة أثارت الجدل داخل البرامج
من الأمثلة التي سلط عليها التقرير الضوء برنامج شارات رقمية لدى Girl Scouts، حيث تتعلم الفتيات مهارات مرتبطة بالقيادة الرقمية والسلامة على الإنترنت. كما أشار إلى نسخة خاصة من مجلة Highlights ممولة من Google تضمنت نشاطاً يشجع الأطفال على وضع الجهاز في “كيس نوم” قبل النوم، في رسالة تهدف إلى تنظيم استعمال الهاتف ليلاً.
غير أن بعض الآباء والخبراء رأوا أن هذا النوع من الأنشطة قد يجعل امتلاك الهاتف في سن مبكرة يبدو أمراً عادياً، خصوصاً أن جمهور Highlights يتضمن أطفالاً في سن صغيرة. وهنا يظهر الفرق بين تعليم استعمال آمن للتكنولوجيا وبين احتمال تطبيع حضور الهاتف الذكي في حياة الطفل قبل أن يكون مستعداً له.
السياق القانوني يزيد حساسية الملف
يأتي هذا الجدل في وقت تواجه فيه شركات كبرى، بينها Meta وGoogle، دعاوى قضائية في الولايات المتحدة تتهم منصاتها بالمساهمة في أضرار نفسية وسلوكية لدى القاصرين. وسبق أن انتهت إحدى القضايا بحكم مالي قدره 6 ملايين دولار ضد الشركتين، وفق Reuters، ما جعل أي مبادرة موجهة للأطفال تخضع لتدقيق أكبر من الآباء والخبراء والمنظمين.
كما تتزامن هذه التطورات مع اتجاه عالمي نحو تشديد القواعد على وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي. فدول مثل أستراليا وعدة دول أوروبية تناقش أو تطبق قيوداً عمرية أكثر صرامة، بينما يزداد الحديث في الولايات المتحدة عن قوانين لحماية الأطفال من التصميمات الرقمية التي قد تكون إدمانية أو مضرة.
ماذا تقول التوصيات الطبية الحديثة؟
تؤكد التوصيات الحديثة للأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن النقاش لم يعد مرتبطاً فقط بعدد ساعات الشاشة، بل بجودة المحتوى، سياق الاستعمال، تصميم التطبيقات، الإعلانات، والآثار التي قد تزاحم النوم، النشاط البدني، الدراسة، والعلاقات العائلية. هذا يعني أن المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها، بل تشمل كذلك الشركات التي تصمم المنتجات الرقمية.
لذلك يوصي الخبراء بأن ترافق التربية الرقمية داخل البيت والمدرسة قواعد واضحة: عدم استعمال الهاتف أثناء النوم أو الوجبات، مراجعة إعدادات الخصوصية، الحد من الإشعارات، مراقبة المحتوى المناسب للعمر، وفتح حوار مستمر مع الأطفال حول ما يشاهدونه وما يشعرون به بعد استعمال المنصات.
لا يمكن إنكار أهمية تعليم الأطفال مهارات السلامة الرقمية، خصوصاً في عالم أصبحت فيه المخاطر الإلكترونية جزءاً من الحياة اليومية. لكن الجدل حول تمويل Meta وGoogle لبرامج موجهة للأطفال يكشف سؤالاً أعمق: هل تكفي الدروس الجميلة عن الاعتدال والخصوصية إذا كانت المنصات نفسها مصممة لجذب الانتباه لأطول مدة ممكنة؟ الجواب، وفق كثير من الخبراء، أن التوعية مطلوبة، لكنها لا تعوض الحاجة إلى تصميمات أكثر أماناً، رقابة تنظيمية أوضح، ودور أكبر للأسر والمدارس في حماية الأطفال من الاستخدام المفرط وغير الواعي للتكنولوجيا.