حين تصل شركة إلى قيمة سوقية تفوق 5 تريليونات دولار، يبدو وصف سهمها بأنه “رخيص” أقرب إلى المفارقة منه إلى التحليل المالي. لكن هذا بالضبط ما تدافع عنه موجة جديدة من تقارير وول ستريت بشأن Nvidia، الشركة التي تحولت من صانع بطاقات رسومية إلى القلب الصلب لبنية الذكاء الاصطناعي العالمية. فبين مراكز بيانات عملاقة تُبنى بوتيرة غير مسبوقة، وطلب متواصل على شرائح Blackwell وHopper، وتوقعات بأرباح قياسية، يعود السؤال بقوة: هل يعكس سعر السهم فعلاً كل هذا النمو، أم أن السوق ما زال يقلل من حجم المرحلة المقبلة؟
Nvidia عند مستويات قياسية.. لكن الجدل لم ينته
تداول سهم Nvidia مؤخراً قرب مستويات قياسية جديدة، مع قيمة سوقية تتجاوز 5.5 تريليونات دولار، مدفوعاً بتفاؤل متجدد حول الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي. وبحسب بيانات السوق المتاحة، وصل السهم إلى نحو 225.83 دولاراً، بينما يواصل المستثمرون ترقب نتائج الربع المالي الأول المنتظر إعلانها في 20 ماي 2026.
تقرير Barron’s الأخير ذهب أبعد من مجرد وصف الصعود، إذ اعتبر أن رالي السهم “ما زال في بدايته”، وأن Nvidia قد تبدو رخيصة إذا قورنت بتوقعات الأرباح المقبلة لا بحجمها السوقي الحالي فقط. غير أن هذا الطرح لا يعني غياب المخاطر، بل يعتمد على فرضية أساسية: استمرار إنفاق شركات التكنولوجيا الكبرى على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بوتيرة مرتفعة.
لماذا يراها بعض المحللين “رخيصة”؟
المنطق الذي يستخدمه المتفائلون لا يقوم على سعر السهم وحده، بل على مضاعفات الأرباح المستقبلية. فالتقرير يشير إلى أن Nvidia تتداول عند نحو 24 مرة للأرباح المتوقعة، وهو مستوى يراه بعض المحللين أقل من متوسطاتها التاريخية وأقل جاذبية بكثير مما يوحي به عنوان “شركة بخمسة تريليونات دولار”.
الفكرة هنا أن الشركة لم تعد تُقيّم فقط كشركة شرائح تقليدية، بل كبنية تحتية شبه إلزامية لسباق الذكاء الاصطناعي. فإذا واصلت الأرباح النمو بالوتيرة المتوقعة، يصبح مضاعف الربحية المستقبلي أقل حدة مما يبدو عليه التقييم الاسمي الكبير.
أرقام قوية تدعم التفاؤل
الأرقام الرسمية تعطي هذا التفاؤل سنداً واضحاً. فقد أعلنت Nvidia عن إيرادات فصلية قياسية بلغت 68.1 مليار دولار في الربع الرابع من سنتها المالية 2026، بارتفاع 73% على أساس سنوي، بينما بلغ دخل قطاع مراكز البيانات وحده 62.3 مليار دولار، بزيادة 75% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
أما على مستوى السنة المالية كاملة، فقد سجلت الشركة إيرادات بلغت 215.9 مليار دولار، بزيادة 65%. هذه الأرقام تفسر لماذا ينظر السوق إلى Nvidia باعتبارها المستفيد الأكبر من موجة بناء مراكز البيانات، وليس مجرد شركة تركب موجة مؤقتة في سوق الأسهم.
الذكاء الاصطناعي يفتح شهية الإنفاق
القوة الأكبر خلف السهم تأتي من خطط الإنفاق الضخمة لدى عمالقة التكنولوجيا. تقديرات السوق تشير إلى أن شركات مثل Amazon وMicrosoft وAlphabet وMeta وOracle قد تنفق مجتمعة مئات المليارات من الدولارات خلال 2026 على مراكز البيانات، الخوادم، الشرائح، الطاقة، والشبكات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
في هذا السياق، تصبح Nvidia في موقع شبيه بمزود البنية الأساسية لموجة صناعية كاملة. فكلما توسعت تطبيقات الذكاء الاصطناعي من التجريب إلى الاستخدام التجاري اليومي، زادت الحاجة إلى قدرات حوسبة أكبر، وهو ما يمنح الشركة قدرة تسعير وتأثيراً كبيرين داخل سلاسل الإمداد.
لكن الرهان ليس بلا مخاطر
رغم التفاؤل، يبقى وصف السهم بأنه “رخيص” مشروطاً بعدة عوامل. أولها أن استمرار الإنفاق على الذكاء الاصطناعي بهذا الحجم يحتاج إلى إثبات عائد اقتصادي واضح لدى العملاء الكبار. فإذا بدأت شركات التكنولوجيا في تقليص إنفاقها الرأسمالي، فقد يتغير المزاج سريعاً.
ثاني المخاطر يرتبط بالمنافسة. صحيح أن Nvidia لا تزال في موقع متقدم بفضل منظومتها المتكاملة من الشرائح والبرمجيات والشبكات، لكن شركات مثل AMD، وBroadcom، وIntel، إضافة إلى مطوري الشرائح الداخلية لدى Google وAmazon وMeta، تحاول تقليص الاعتماد عليها.
أما الخطر الثالث فهو الجيوسياسة. القيود الأمريكية على تصدير الشرائح المتقدمة إلى الصين، ومحاولات بكين بناء بدائل محلية، قد تؤثر على جزء من الطلب العالمي، خصوصاً إذا تحولت الرخص والتصاريح إلى أداة ضغط متكررة في العلاقات الأمريكية الصينية.
هل يصل السهم إلى مستويات أعلى؟
بعض بيوت التحليل رفعت أهدافها السعرية لـ Nvidia إلى ما بين 300 و390 دولاراً خلال 12 شهراً، وفق تقديرات متداولة في السوق. غير أن هذه الأهداف تعتمد على سيناريو متفائل: استمرار الطلب على شرائح AI، توسع مراكز البيانات، نجاح الجيل الجديد من منتجات الشركة، وعدم حدوث انكماش مفاجئ في إنفاق العملاء الكبار.
لذلك، لا ينبغي قراءة العنوان على أنه توصية شراء مباشرة، بل كتحليل لطريقة تفكير جزء من وول ستريت: السهم يبدو باهظاً عندما ننظر إلى قيمته السوقية، لكنه قد يبدو أقل غلاء عند مقارنته بالأرباح المتوقعة وحجم السوق الذي تسيطر عليه الشركة.
قصة Nvidia اليوم تكشف كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد تقييم شركات التكنولوجيا. فالشركة التي كانت تُقارن بموردي الشرائح أصبحت تُعامل كعمود فقري لاقتصاد حوسبي جديد. ومع ذلك، يبقى الرهان على السهم رهيناً بسؤال كبير: هل يتحول الإنفاق الهائل على الذكاء الاصطناعي إلى أرباح مستدامة للعملاء، أم أن السوق يسبق الواقع مرة أخرى؟
بالنسبة للقارئ غير المتخصص، الرسالة الأهم هي أن وصف سهم ضخم مثل Nvidia بأنه “رخيص” لا يعني غياب المخاطر، بل يعني أن بعض المحللين يعتقدون أن أرباح الشركة المستقبلية قد تنمو أسرع من سعرها الحالي. وهذا تقدير مالي قابل للتغير مع كل نتائج فصلية جديدة.