تكشف التشكيلة التي اختارها الناخب الوطني محمد وهبي لمواجهة هولندا، في دور الـ32 من كأس العالم 2026، عن توجه واضح نحو الحفاظ على العمود الفقري للمنتخب المغربي، مع منح الفريق قدراً أكبر من التوازن في وسط الميدان مقارنة بمباراة هايتي.
فبعد مواجهة هايتي، التي كان منطقها مختلفاً بحكم حاجة “أسود الأطلس” إلى فرض المبادرة والبحث عن الحسم، تبدو مباراة هولندا أكثر تعقيداً من الناحية التكتيكية. الأمر لا يتعلق فقط بجودة المنافس، بل بطبيعة الدور نفسه: مباراة إقصائية لا تحتمل أخطاء كثيرة، ولا تسمح بالمغامرة الزائدة منذ البداية.
بونو وحكيمي ومزراوي.. تثبيت العمود الآمن
اختيار ياسين بونو في حراسة المرمى، مع أشرف حكيمي ونصير مزراوي في الخط الخلفي، يعكس رغبة محمد وهبي في الاعتماد على عناصر الخبرة في المواعيد الكبيرة.
هذا الثبات مهم جداً في مباراة مثل هولندا، لأن المنتخب المغربي يحتاج إلى لاعبين قادرين على امتصاص الضغط، قراءة لحظات المباراة، وتدبير فترات السيطرة الهولندية المحتملة دون ارتباك.
مقارنة بمباراة هايتي، تبدو الرسالة واضحة: أمام هايتي كان المغرب مطالباً بالتقدم وفرض النسق، أما أمام هولندا فالأولوية الأولى هي عدم ترك المساحات، خصوصاً خلف الأظهرة.
عيسى ديوب وشادي رياض.. رهان على القوة والهدوء
وجود عيسى ديوب وشادي رياض في قلب الدفاع يمنح المنتخب المغربي مزيجاً بين القوة البدنية والقدرة على إخراج الكرة من الخلف. وهذا الاختيار يبدو منطقياً أمام منتخب هولندي يعتمد غالباً على السرعة والتحولات والكرات العرضية.
في مباراة هايتي، كان المنتخب المغربي قادراً على الدفاع من مناطق أعلى في الملعب، لأن مستوى التهديد الهجومي كان أقل نسبياً. أما أمام هولندا، فالأمر مختلف: أي خطأ في التمركز أو تأخر في التغطية قد يتحول إلى فرصة خطيرة.
لذلك، تبدو هذه الثنائية رسالة من محمد وهبي بأن المنتخب لن يدخل المباراة بعقلية هجومية مفتوحة، بل بتوازن محسوب.
وسط الميدان.. مفتاح التحول الكبير
أبرز ما يلفت الانتباه في التشكيلة الحالية هو الاعتماد على أيوب بوعدي، عز الدين أوناحي، إسماعيل صيباري، بلال الخنوس ونائل العيناوي، وهي أسماء تمنح الوسط المغربي طابعاً تقنياً واضحاً، لكنها في الوقت نفسه تفرض مسؤولية كبيرة في الضغط والارتداد.
مقارنة بمباراة هايتي، تبدو مواجهة هولندا بحاجة إلى وسط أكثر انضباطاً وأقل اندفاعاً. فالمغرب لن يحتاج فقط إلى صناعة اللعب، بل إلى إغلاق الممرات، كسب الكرات الثانية، ومنع هولندا من التقدم بسهولة عبر العمق.
وجود أوناحي يمنح المنتخب القدرة على الخروج بالكرة تحت الضغط، بينما يوفر الخنوس وصيباري حلولاً بين الخطوط. أما بوعدي والعيناوي، فيمكن أن يكون دورهما حاسماً في التوازن، خصوصاً عند فقدان الكرة.
دياز دون مهاجم صريح.. اختيار تكتيكي لا يخلو من جرأة
اعتماد براهيم دياز في الخط الأمامي، دون بدء المباراة باسم مثل أيوب الكعبي، قد يقرأ على أنه اختيار تكتيكي مدروس. فوهبي لا يبحث فقط عن مهاجم ينتظر الكرات داخل المنطقة، بل عن لاعب قادر على التحرك بين الدفاع والوسط، سحب المدافعين، وخلق مساحات للقادمين من الخلف.
في مواجهة هايتي، كان من الممكن التفكير بمنطق الضغط الهجومي المباشر والبحث عن الحسم داخل منطقة الجزاء. أما أمام هولندا، فالمباراة تحتاج إلى مهاجم متحرك يربك الرقابة، لا إلى رأس حربة ثابت فقط.
هذا الاختيار يمنح المغرب مرونة أكبر، لكنه يضع على دياز مسؤولية مضاعفة: صناعة الفارق، الضغط على بداية البناء الهولندي، واستغلال أنصاف الفرص.
دكة الاحتياط.. أوراق جاهزة لتغيير الإيقاع
ما يزيد من قوة الاختيار الحالي هو أن دكة الاحتياط تضم أسماء قادرة على تغيير وجه المباراة، مثل سفيان أمرابط، سفيان رحيمي، أيوب الكعبي، زكرياء الواحدي، يوسف بلعمري، وشمس الدين الطالبي.
وهنا يظهر الفرق بين مباراة هايتي ومباراة هولندا. في مواجهة هايتي، يمكن للمدرب أن يدفع بأوراق هجومية مبكراً إذا احتاج إلى التسجيل. أما أمام هولندا، فالتبديلات قد ترتبط أكثر بلحظة المباراة: هل يحتاج المغرب إلى حماية النتيجة؟ هل يحتاج إلى مهاجم صريح؟ هل يجب تعزيز الوسط؟ أم البحث عن سرعة رحيمي في المساحات؟
وجود أمرابط على الدكة قد يعني أن وهبي يحتفظ بورقة قوية للشوط الثاني، خاصة إذا ارتفع ضغط هولندا أو احتاج المنتخب إلى لاعب يكسر الإيقاع ويمنح الوسط صلابة أكبر.
ماذا تغيّر ذهنياً بين هايتي وهولندا؟
الفارق الأهم ليس فقط في الأسماء، بل في عقلية المباراة.
أمام هايتي، كان المنتخب المغربي مطالباً بإثبات التفوق، أخذ المبادرة، وتجنب أي سيناريو معقد في دور المجموعات. أما أمام هولندا، فالمباراة لا تمنح فرصة للتدارك. كل قرار تكتيكي يصبح مضاعف القيمة، وكل خطأ قد يعني نهاية الحلم.
لذلك، تبدو تشكيلة محمد وهبي أمام هولندا أقل اندفاعاً وأكثر واقعية. هي تشكيلة تريد اللعب، لكنها لا تريد المجازفة. تريد الضغط، لكنها تعرف أن الاندفاع أمام منتخب أوروبي منظم قد يكون مكلفاً. وتريد التسجيل، لكنها تدرك أن أول شرط للعبور هو البقاء متماسكاً حتى آخر دقيقة.
يمكن القول إن محمد وهبي لم يخرج عن منطق الاستمرارية، لكنه عدّل زاوية التعامل مع المباراة. فالتشكيلة الحالية لا تبدو انقلاباً على اختيارات مباراة هايتي، بقدر ما تبدو تطويراً لها وفق طبيعة الخصم الجديد.
أمام هايتي، كان المطلوب هو الحسم. أمام هولندا، المطلوب هو الذكاء.
وهنا بالضبط تكمن قيمة التشكيلة الحالية: منتخب مغربي يحافظ على شخصيته الفنية، لكنه يدخل مباراة خروج المغلوب بقدر أكبر من الحذر، وبدكة احتياط تمنحه حلولاً متعددة إذا تغيرت مجريات اللقاء.

