بين دولٍ صنعت التاريخ وأخرى رسمتها خرائط الاستعمار: اختلاف في فهم الوحدة الترابية

أخبار وطنية

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

تُعد قضية الوحدة الترابية بالنسبة للمغرب مسألة تتجاوز النقاش السياسي الظرفي لتلامس عمق التاريخ والهوية الوطنية. فهي ليست مجرد شعار سياسي أو موقف دبلوماسي عابر، بل تعبير عن تصور متجذر للدولة وللأرض وللشرعية التاريخية التي تشكلت عبر قرون طويلة من البناء السياسي والحضاري. ومن هذا المنطلق، يبدو من الصعب على النظام العسكري في الجزائر أن يستوعب هذا المفهوم بنفس العمق الذي يراه به المغاربة.
المغرب، ككيان سياسي وتاريخي، ليس دولة نشأت في منتصف القرن العشرين، بل هو دولة ضاربة في جذور التاريخ. فمنذ قرون طويلة تشكلت الدولة المغربية بمؤسساتها وسلاطينها وعلاقاتها الدبلوماسية، وكان لها حضور واضح في التوازنات الدولية. فقد عرفت المملكة المغربية منذ القرن الخامس عشر والسادس عشر تمثيلاً دبلوماسياً لدى عدد من المحاكم الأوروبية، وأقامت علاقات سياسية وتجارية مع قوى كبرى في ذلك الوقت، وهو ما يعكس رسوخ الدولة المغربية واستمرارية مؤسساتها.
في المقابل، فإن الدولة الجزائرية الحديثة تشكلت في سياق تاريخي مختلف تماماً، حيث ظهرت بعد استقلالها عن فرنسا سنة 1962. وهذا لا ينفي بالطبع عمق المجتمع الجزائري وتاريخه الحضاري، لكنه يوضح أن الدولة الجزائرية بصيغتها السياسية المعاصرة هي دولة حديثة نسبياً، نشأت في ظل ظروف التحرر الوطني وبناء الدولة بعد الاستعمار. ومن هنا يمكن فهم اختلاف النظرة إلى قضايا السيادة والوحدة الترابية بين بلدين يختلفان في مسار تشكل الدولة لديهما.
فبالنسبة للمغرب، كانت وحدة الأرض دائماً جزءاً من تصور الدولة لنفسها. فقد تعاقبت السلالات الحاكمة عبر التاريخ على الدفاع عن المجال الترابي للمملكة، من الدولة الإدريسية إلى المرابطية والموحدية والمرينية والسعدية ثم العلوية، وهو ما رسخ في الوعي الوطني فكرة أن الأرض امتداد طبيعي للدولة والتاريخ معاً.
لهذا السبب، لا يُنظر في المغرب إلى قضية الوحدة الترابية كموضوع قابل للمساومة أو التوظيف السياسي، بل كقضية سيادية ذات بعد تاريخي وحضاري. إنها جزء من ذاكرة الدولة ومن تصورها لنفسها داخل محيطها الإقليمي والدولي.
أما في الحالة الجزائرية، فإن طبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد الاستقلال، وهيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي، جعلت العديد من القضايا الإقليمية تُقرأ من زاوية التوازنات الجيوسياسية أكثر من قراءتها من منظور تاريخي أو حضاري. وهو ما يفسر، في نظر كثير من المراقبين، استمرار التوتر في العلاقات المغربية الجزائرية حول قضايا إقليمية معروفة.
إن الفارق بين التجربتين لا يكمن فقط في عمر الدولة، بل في طبيعة الذاكرة السياسية التي تشكلت حولها. فالدول التي تمتلك تاريخاً طويلاً من الاستمرارية المؤسساتية تميل إلى النظر إلى الوحدة الترابية باعتبارها جزءاً من شرعيتها التاريخية. أما الدول التي نشأت حديثاً في سياق ما بعد الاستعمار، فإن أولوياتها غالباً ما ترتبط ببناء النظام السياسي الداخلي وتوازناته.
ومع ذلك، فإن مستقبل المنطقة المغاربية يظل رهيناً بقدرة دولها على تجاوز التوترات وبناء علاقات قائمة على احترام السيادة والوحدة الترابية لكل دولة، والعمل على تحويل التاريخ المشترك إلى عامل للتكامل بدل أن يكون سبباً للصراع.
فالمغرب، بتاريخ دولته العريق وبمؤسساته المتجذرة، يرى في وحدته الترابية امتداداً طبيعياً لتاريخه السياسي والحضاري. ومن هذا المنطلق، تبقى هذه القضية بالنسبة للمغاربة مسألة مبدئية لا تقبل التأويل أو المساومة، لأنها ببساطة جزء من هوية الدولة نفسها.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً