في عصر الذكاء الاصطناعي.. بيبسيكو تبحث عن موظفين بميزة لا تصنعها الخوارزميات

في عصر الذكاء الاصطناعي.. بيبسيكو تبحث عن موظفين بميزة لا تصنعها الخوارزميات

في وقت تتسابق فيه الشركات على إدخال الذكاء الاصطناعي إلى كل زاوية من زوايا العمل، لا ترى بيبسيكو أن سر الفوز بالمواهب يوجد فقط في إتقان الأدوات الرقمية أو فهم أوامر البرمجة السريعة. بالنسبة للشركة العالمية، ما يزال الموظف القادر على طرح الأسئلة، حل المشكلات، التكيف مع التغيير، ومواصلة التعلم هو العنصر الأصعب في النسخ والأكثر قيمة داخل المؤسسة.

تصريحات مسؤولة الموارد البشرية في بيبسيكو تفتح نقاشاً أوسع حول شكل الموظف المطلوب في المرحلة المقبلة: هل يكفي أن يعرف كيف يستعمل الذكاء الاصطناعي، أم أن الشركات الكبرى ستبحث أكثر عن شخصية تملك الحافز، الفضول، والقدرة على تحويل التكنولوجيا إلى قيمة حقيقية؟

بيبسيكو: «الهَسْتَل» ليس شعاراً بل معيار في اختيار المواهب

قالت بيكي شميت، كبيرة مسؤولي شؤون الأفراد في PepsiCo، خلال قمة Workplace Innovation Summit التي نظمتها Fortune، إن جزءاً من «الخلطة السرية» لدى الشركة في استقطاب المواهب يرتبط بما وصفته بروح الاجتهاد والعمل الدؤوب. ولم تقدّم شميت الفكرة كحماس عابر، بل ربطتها بالقدرة على مواجهة المشكلات، الصمود أمام التعقيدات، والاستمرار في طرح الأسئلة بدل الاكتفاء بتنفيذ التعليمات.

هذا التصور يعطي صورة واضحة عن التحول الجاري في سوق العمل. فالشركات لم تعد تبحث فقط عن سيرة ذاتية مليئة بالشهادات التقنية، بل عن أشخاص يستطيعون التعلم بسرعة، التفاعل مع المواقف الجديدة، وتطوير طريقة تفكيرهم مع تغير الأدوات. في بيئة يفرض فيها الذكاء الاصطناعي إيقاعاً سريعاً، تصبح المرونة المهنية جزءاً من الكفاءة نفسها.

الذكاء الاصطناعي يغيّر الوظائف.. لكنه لا يلغي قيمة الإنسان

تأتي تصريحات شميت بينما تعيد شركات كبرى النظر في شروط التوظيف والترقية والتكوين الداخلي. بعض المؤسسات تركز على مهارات مثل كتابة الأوامر للأنظمة الذكية أو استعمال أدوات الإنتاجية الجديدة، غير أن بيبسيكو تبدو متمسكة بفكرة أن التقنية لا تكفي وحدها. فالأدوات تستطيع تلخيص الاجتماعات، تحليل الوثائق، أو تسريع بعض المهام، لكنها لا تعوض الحكم الإنساني، التواصل الجيد، والقدرة على فهم السياق.

وفق ما نقلته Fortune، ترى شميت أن الهدف ليس جعل التكنولوجيا بديلاً عن العامل، بل جعل الوظائف أكثر أماناً وإنتاجية وجاذبية، مع إبقاء العاملين داخل دائرة الفهم والمشاركة. هذا ما تسميه الشركة تصميماً متمحوراً حول الإنسان: إدخال التكنولوجيا بطريقة تضيف قيمة، لكن من دون إبعاد المسؤولية والقرار عن البشر.

المهارات الناعمة تعود إلى الواجهة في زمن الأتمتة

المثير في هذا النقاش أن الذكاء الاصطناعي، بدل أن يجعل المهارات الإنسانية أقل أهمية، يدفع بها إلى الواجهة. فحين تصبح بعض المهام التقنية قابلة للأتمتة، يرتفع وزن مهارات مثل التواصل، التفكير النقدي، إدارة الخلاف، التكيف، والقدرة على الإقناع. هذه المهارات لم تعد مجرد إضافات جميلة في السيرة الذاتية، بل أصبحت مؤشرات على قدرة الموظف على العمل داخل فرق معقدة وتحت ضغط تغير مستمر.

وبحسب ما أشار إليه المقال نفسه، فإن عدداً من التقارير المهنية الحديثة رصد صعود المهارات الناعمة ضمن أكثر المهارات المطلوبة في سوق العمل. وهذا ينسجم مع ما تقوله بيبسيكو: الموظف الأفضل ليس بالضرورة من يعرف الأداة الجديدة قبل غيره، بل من يملك فضولاً كافياً لتعلمها، ووعياً كافياً لاستعمالها بشكل نافع، ومرونة كافية لتغيير طريقة عمله حين يتطلب الأمر ذلك.

بيبسيكو كمدرسة لإعداد قادة Fortune 500

تكتسب تصريحات شميت وزناً إضافياً لأن PepsiCo تُعرف منذ سنوات بأنها بيئة تخرّج قيادات بارزة انتقلت لاحقاً إلى إدارة شركات كبرى. فقد أشار تقرير Fortune إلى أسماء مثل براين كورنيل في Target، وكريس كمبزينسكي في McDonald’s، وإد باستيان في Delta Air Lines، كأمثلة على قيادات مرت عبر منظومة بيبسيكو أو استفادت من ثقافة تطوير المواهب داخلها.

هذا يعني أن حديث الشركة عن التوظيف لا يرتبط فقط بملء مناصب شاغرة، بل ببناء خط طويل من القادة القادرين على فهم السوق، قيادة الفرق، والتعامل مع التحولات. لذلك تركز شميت على سؤالين متلازمين: ماذا يحمل الموظف معه من تعليم وخبرة؟ وماذا تستطيع الشركة أن تمنحه من تعلم وتجارب وانكشاف على مسؤوليات جديدة؟

منطق جديد في تقييم الموظفين داخل المؤسسات الكبرى

من بين النقاط اللافتة في حديث شميت تركيزها على تعديل آليات التقييم لاكتشاف «الجواهر» داخل المؤسسة أينما كانت. هذا التوجه يعكس رغبة الشركات في عدم حصر المواهب في مناصب ظاهرة أو مسارات تقليدية، بل البحث عن القدرات الحقيقية داخل الفرق، خصوصاً لدى الموظفين الذين يملكون قابلية عالية للتعلم لكنهم لا يحظون دائماً بالظهور الكافي.

في عصر الذكاء الاصطناعي، قد يصبح هذا النوع من التقييم أكثر أهمية. فالأداء لم يعد يقاس فقط بعدد المهام المنجزة، بل بقدرة الموظف على تحسين طريقة إنجازها، استعمال التكنولوجيا دون فقدان الدقة، وفهم متى يحتاج القرار إلى تدخل إنساني. لذلك، فإن الموظف الفضولي والمرن قد يكون أكثر قيمة من موظف يملك مهارة تقنية جامدة سرعان ما تتغير.

ما الرسالة للشباب والباحثين عن عمل؟

رسالة بيبسيكو واضحة للباحثين عن فرص عمل: تعلم أدوات الذكاء الاصطناعي مهم، لكنه ليس كافياً. على المرشح أن يظهر أنه قادر على التفكير، السؤال، حل المشكلات، والتعامل مع الغموض. فالشركات الكبرى تريد أشخاصاً لا يخافون من التغيير، ولا ينتظرون التعليمات في كل خطوة، بل يملكون قدرة ذاتية على المبادرة والبحث عن حلول.

بالنسبة للشباب في المغرب والمنطقة، تحمل هذه التصريحات درساً عملياً. فالدخول إلى سوق العمل العالمي لا يحتاج فقط إلى شهادة أو برنامج تدريبي، بل إلى بناء شخصية مهنية تجمع بين التعلم المستمر، اللغة، التواصل، الانضباط، وفهم التكنولوجيا. من يستعمل الذكاء الاصطناعي كأداة لتقوية قدراته، لا كبديل عن التفكير، سيكون أقرب إلى احتياجات الشركات في السنوات المقبلة.

قراءة Agadir24: التوظيف لم يعد سباق شهادات فقط

ما تقوله بيبسيكو يعكس تحولاً واسعاً في فلسفة التوظيف. فبعد سنوات كان التركيز فيها على التخصصات التقنية والمهارات الرقمية الصلبة، تعود الشركات لتؤكد أن رأس المال البشري لا يقاس فقط بما يعرفه الموظف اليوم، بل بما يستطيع تعلمه غداً. الذكاء الاصطناعي يسرع العمل، لكنه يكشف أيضاً من يملك الفضول ومن ينتظر أن تقوده الآلة.

لهذا، قد تكون «الخلطة السرية» التي تتحدث عنها PepsiCo أقرب إلى قاعدة بسيطة: التقنية تتغير بسرعة، لكن الموظف المجتهد، المرن، الفضولي، والقادر على التواصل الجيد يظل قابلاً للتطور مع كل موجة جديدة. وفي عالم تتحول فيه أدوات العمل شهراً بعد شهر، تصبح هذه الصفات نوعاً من الأمان المهني طويل المدى.

تصريحات مسؤولة الموارد البشرية في بيبسيكو لا تقدم وصفة سحرية للتوظيف، لكنها تلخص اتجاهاً مهماً في سوق العمل: الشركات تريد مواهب تفهم التكنولوجيا، لكنها تريد قبل ذلك عقليات قادرة على التعلم والتكيف. فالمستقبل لن يكون لمن يحفظ أداة واحدة، بل لمن يعرف كيف يسأل، يتعلم، يجرب، ويتحمل مسؤولية قراره داخل بيئة عمل مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله