في الصحافة، هناك من يدخل الميدان حاملاً سؤالاً، وهناك من يدخله حاملاً بطاقة. الفرق بين الاثنين شاسع. الأول يبحث عن الحقيقة، يتعب من أجلها، يخطئ ويتعلم، يصغي للناس، ويخاف من ظلمهم بكلمة غير دقيقة. والثاني يظن أن صفة “صحفي” تُمنح مرة واحدة وإلى الأبد، بمجرد بطاقة مهنية في الجيب أو شهادة معلقة على الجدار.
ولأن الموضوع حساس، يجب أن يقال منذ البداية: التكوين مهم، ومعاهد الصحافة ضرورية، والبطاقة المهنية أداة تنظيمية لا غنى عنها لحماية المهنة وضبط الانتماء إليها. لكن الخطأ يبدأ حين تتحول هذه الأدوات إلى غرور. وحين يعتقد بعض الصحفيين أن البطاقة تكفي لتعويض ضعف البحث، أو أن التخرج من معهد صحافة يمنح صاحبه حصانة من الرداءة، أو أن القارئ ملزم باحترام نص ركيك فقط لأن كاتبه يحمل صفة مهنية.
الصحافة أكبر من ذلك بكثير. إنها مهنة قاسية، لا ترحم من يكتفي بصورة جميلة وبطاقة بلا مضمون. في قاعة الدرس، تبدو الصحافة حلماً وردياً: عناوين براقة، كاميرات، ميكروفونات، ندوات، سفر، قرب من المسؤولين، وتأثير في الرأي العام. لكن في الواقع، تبدأ الصحافة الحقيقية حين ينتهي ذلك الحلم. تبدأ حين تقف أمام مصدر مرتبك، أو وثيقة ناقصة، أو ضحية خائفة، أو مسؤول يتهرب، أو جمهور يريد خبراً فورياً، بينما ضميرك المهني يقول لك: تحقق أولاً.
وهنا يحضر اسم بوبكر الجامعي، لا بوصفه نموذجاً للقداسة المهنية، فكل تجربة بشرية قابلة للنقاش والنقد، بل بوصفه مثالاً قوياً على أن الصحفي لا تصنعه الطريق المدرسية وحدها. المتاح في سيرته المنشورة يبين أن تكوينه الأول لم يكن في معهد للصحافة، بل تخرج من المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات بالدار البيضاء سنة 1992، ثم حصل لاحقاً على MBA في المالية من جامعة أكسفورد، وماستر في الإدارة العامة من Harvard Kennedy School. ومع ذلك، صار واحداً من أبرز الأسماء المرتبطة بتجربة الصحافة المستقلة في المغرب.
أسس بوبكر الجامعي ودار حوله مشروع Le Journal Hebdomadaire وAssahifa Al Ousbouiya، وارتبط اسمه بصحافة نقدية وتحقيقية أثارت نقاشاً واسعاً في المغرب وخارجه. كما حصل سنة 2003 على الجائزة الدولية لحرية الصحافة من لجنة حماية الصحفيين CPJ، واختير لاحقاً ضمن Yale World Fellows، ثم ارتبط اسمه بزمالة Nieman بجامعة هارفارد، بحسب سيرته في مصادر متعددة.
هذه المعطيات لا تعني أن “عدم دراسة الصحافة” فضيلة في حد ذاته. أبداً. ولا تعني أن كل من لم يدرس الصحافة سيصبح بوبكر الجامعي. لكنها تهدم وهماً خطيراً: وهم أن الصحافة لا يدخلها إلا من تخرج من معهد صحافة، أو أن بطاقة الصحافة وحدها تكفي لتصنيف الناس مهنياً وأخلاقياً. الجامعي جاء من الاقتصاد والمال والأعمال، لكنه حمل إلى الصحافة أدوات أخرى: الفهم السياسي، الجرأة التحريرية، الحس المؤسساتي، والقدرة على بناء مشروع صحفي له خط واضح.
ولذلك، فالعبرة ليست في أن بوبكر الجامعي لم يسلك المسار الكلاسيكي لمعاهد الصحافة، بل في أن الصحافة مهنة مفتوحة على الكفاءة، لا على التباهي. قد يأتي الصحفي من الأدب، القانون، الاقتصاد، العلوم، التاريخ، الفلسفة، أو من مدرسة الحياة نفسها. المهم ليس من أين أتى فقط، بل ماذا يفعل حين يصل إلى الخبر.
المشكلة اليوم أن بعض المنتسبين إلى المهنة يخلطون بين الشرعية الإدارية والشرعية المهنية. البطاقة تمنحك اعترافاً قانونياً أو تنظيمياً، لكنها لا تمنحك تلقائياً عمقاً، ولا لغة، ولا ضميراً، ولا شجاعة، ولا قدرة على التحقق. والديبلوم يثبت أنك درست، لكنه لا يثبت أنك فهمت المجتمع، ولا أنك قادر على النزول إلى السوق، أو المحكمة، أو الحي الشعبي، أو المستشفى، أو القرية، وكتابة نص يحترم الناس والحقيقة.
في المغرب، كما في غيره من البلدان، للبطاقة المهنية وظيفة تنظيمية. كما تشير معطيات حول الإطار القانوني والتنظيمي للمهنة إلى وجود هياكل مرتبطة بأخلاقيات المهنة وبطاقة الصحافة المهنية داخل منظومة تنظيم القطاع. كما أن البطاقة الدولية للصحافة، وفق الاتحاد الدولي للصحفيين، تُقدم باعتبارها وسيلة تعريف مهني معترفاً بها عبر منظمات الصحفيين في دول عديدة. لكن أي بطاقة، وطنية كانت أو دولية، تبقى وسيلة تعريف وتنظيم، لا برهاناً على جودة المقال ولا على نزاهة صاحبه.
الصحفي الحقيقي لا يقول للقارئ: “احترمني لأن لدي بطاقة”. بل يجعله يحترمه لأنه دقيق. لأنه ينسب المعلومات إلى مصادرها. لأنه لا يخلط بين الخبر والرأي. لأنه لا يتسرع في الاتهام. لأنه لا يبيع القارئ عنواناً كاذباً. لأنه لا يستعمل المأساة الإنسانية مادة للإثارة الرخيصة. لأنه يعرف أن الشخص الذي يكتب عنه ليس رقماً في خبر، بل إنسان قد تتغير حياته بسبب جملة غير مسؤولة.
وهنا يجب التوقف عند فرق كبير بين أحلام الدراسة وواقع المهنة. في المعهد، يكتب الطالب تمريناً. في الميدان، قد يكتب خبراً تتداوله آلاف الهواتف في دقائق. في القسم، يتعلم معنى “المصدر”. في الواقع، يكتشف أن المصدر قد يكذب، أو يبالغ، أو يخفي نصف الحقيقة. في التكوين، يتعلم “التوازن”. في الواقع، يفهم أن التوازن ليس أن تمنح الظالم والضحية المساحة نفسها، بل أن تبحث عما تثبته الوقائع والوثائق والسياق.
منظمة اليونسكو، في أدبياتها الخاصة بتعليم الصحافة ومكافحة التضليل، تركز على أهمية التحقق، والتفكير النقدي، وفهم طبيعة المعلومات المضللة، وتطوير مناهج تعليم الصحافة باستمرار لمواجهة التحولات الرقمية. وهذا يؤكد أن التكوين نفسه لا ينبغي أن يكون مجرد شهادة، بل عملية مستمرة من التعلم والتجدد.
فالصحفي الذي لا يقرأ يتآكل. والذي لا يتحقق يتحول إلى ناقل إشاعات. والذي لا يعرف القانون قد يظلم الناس أو يورط مؤسسته. والذي لا يفهم الاقتصاد سيكتب عن الأسعار بسطحية. والذي لا يفهم السياسة سيعيد تدوير البلاغات. والذي لا يعرف المجتمع سيكتب عن الناس من فوق، لا من بينهم.
ولهذا، فإن التباهي ببطاقة الصحافة أو باسم المعهد يصبح أحياناً علامة ضعف، لا علامة قوة. الصحفي الواثق من نصه لا يحتاج إلى رفع البطاقة في وجه كل من يناقشه. والصحفي المتمكن لا يختبئ خلف اسم مؤسسة تكوينه. قيمته تظهر في سؤاله، في عنوانه، في طريقة عرضه للوقائع، في قدرته على الاعتذار عند الخطأ، وفي شجاعته حين يرفض نشر معلومة غير مؤكدة ولو كانت ستجلب آلاف النقرات.
هذا لا يعني فتح الباب للفوضى باسم “الموهبة”. لا. الصحافة ليست مهنة من لا مهنة له. وليست كل كتابة على فيسبوك صحافة. وليست كل كاميرا صحافة. وليست كل صفحة إلكترونية مؤسسة إعلامية. هناك قواعد، أخلاقيات، قانون، مسؤولية تحريرية، حق جواب، حماية للمعطيات الشخصية، قرينة البراءة، احترام للضحايا، وتدقيق للصور والفيديوهات. لكن هذه القواعد لا تُختزل في البطاقة، بل تُمارس يومياً.
بوبكر الجامعي، في هذا النقاش، ليس مجرد اسم يُستعمل ضد خريجي معاهد الصحافة. بل هو تذكير بأن الصحافة الحقيقية قد تولد من خارج الطريق التقليدية حين يلتقي الذكاء بالجرأة وبالمشروع التحريري. وتجربته، بما لها وما عليها، تقول إن الصحفي يُقاس بما أحدثه من أثر في المجال العام، لا بعدد المرات التي أخرج فيها بطاقته.
والأهم أن مثال الجامعي لا ينبغي أن يغري الجاهلين برفض التكوين. بالعكس، من لم يدرس الصحافة يحتاج إلى أن يتعلم أكثر، ويقرأ أكثر، ويحتك أكثر، ويتواضع أكثر. ومن درس الصحافة يحتاج إلى أن ينسى غروره، وأن يفهم أن المعهد منحه أدوات، لا رتبة شرفية فوق الناس. في الحالتين، لا نجاة إلا بالميدان.
الميدان وحده يكشف الضعف. هناك تسقط لغة القوالب الجاهزة. هناك تعرف هل تستطيع التقاط زاوية إنسانية دون ابتذال. هل تستطيع مساءلة مسؤول دون تهور. هل تستطيع كتابة خبر أمني دون إدانة مسبقة. هل تستطيع تغطية احتجاج دون التحول إلى منشور دعائي. هل تستطيع الحديث عن الأسعار من جيب المواطن، لا من مكتب مكيف. هل تستطيع أن تقول: “لا أعرف”، ثم تذهب لتعرف.
الصحفي الحقيقي هو من يظل تلميذاً دائماً. يتعلم من المحرر الذي يصحح له، من القارئ الذي ينبهه، من المصدر الذي يراوغه، من الوثيقة التي تكذّب رواية جاهزة، ومن الميدان الذي يثبت له كل يوم أن الحياة أعقد من تمارين المعهد.
أما الصحفي الذي يتباهى بالبطاقة أو الشهادة فقط، فهو غالباً لم يفهم أن الصحافة ليست لقباً اجتماعياً. إنها خدمة عمومية بالمعنى الأخلاقي للكلمة، حتى داخل مؤسسة خاصة. خدمة للحق في المعلومة، للوضوح، للمساءلة، للذاكرة، ولصوت الذين لا يصل صوتهم بسهولة.
نحتاج إلى صحفيين درسوا الصحافة جيداً، نعم. ونحتاج أيضاً إلى صحفيين جاؤوا من تخصصات أخرى وأضافوا للمهنة عمقاً اقتصادياً وقانونياً وسياسياً وثقافياً. لكننا لا نحتاج إلى متباهين. لا نحتاج إلى من يحول البطاقة إلى سلاح لإسكات النقد. ولا إلى من يعتبر الديبلوم نهاية التعلم. ولا إلى من يعيش أحلام المعهد ثم ينهار أمام أول اختبار حقيقي في الواقع.
فالصحافة لا تسأل في النهاية: أين درست؟ بل تسأل: ماذا كتبت؟ كيف تحققت؟ من أنصفت؟ من ظلمت؟ ماذا أضفت؟ هل احترمت القارئ؟ هل قاومت الإغراء؟ هل كنت شجاعاً دون تهور؟ وهل كنت حذراً دون جبن؟
في زمن السرعة والذكاء الاصطناعي والتضليل، لم تعد الصحافة تحتمل صحفيين يبيعون الصفة أكثر مما ينتجون المعنى. البطاقة لا تكفي. الشهادة لا تكفي. وحتى الموهبة لا تكفي إن لم يضبطها ضمير وتكوين مستمر. وما يبقى، بعد كل ذلك، هو النص. النص وحده يفضح صاحبه أو يرفعه.
ولهذا، فإن أفضل نصيحة لأي صحفي شاب، سواء خرج من معهد عريق أو دخل المهنة من باب آخر، هي: لا تتباهَ كثيراً بما تحمله في جيبك أو بما عُلّق على حائطك. اذهب إلى الميدان. اسأل. تحقق. اقرأ. صحح. اعتذر حين تخطئ. واكتب كأن الناس سيحاسبونك على كل كلمة. لأنهم سيفعلون.
ما الذي يجب أن يعرفه الصحفي؟
تذكر تجربة بوبكر الجامعي بأن الصحافة لا تُختزل في بطاقة مهنية أو شهادة معهد. فالتكوين مهم، لكنه لا يكفي وحده لصناعة الصحفي؛ إذ يظل الميدان، والتحقق، والأخلاق المهنية، والقدرة على إنتاج أثر حقيقي، عناصر حاسمة في بناء القيمة الصحفية.
- بطاقة الصحافة وثيقة تنظيمية، وليست ضمانة تلقائية للجودة المهنية.
- شهادة المعهد بداية لمسار التكوين، وليست نهاية للتعلم والتجربة.
- الميدان وحده يكشف من يخدم الحقيقة ومن يكتفي بالاختباء خلف الصفة.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله