بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
- الرياضة بين التنافس الظرفي والذاكرة التاريخية المشتركة
أعاد خروج المنتخب الجزائري من كأس أمم إفريقيا 2025 على يد منتخب نيجيريا إلى الواجهة موجة من الخطاب الإعلامي المتشنج في بعض المنابر، حاولت توجيه رسائل مشوّهة نحو المغرب، عبر ربط الهزيمة الرياضية بسياقات سياسية أو بمنافسة إقليمية مفترضة. غير أن مثل هذه القراءات، التي تختزل العلاقات بين البلدين في لحظة رياضية عابرة، تتجاهل معطيات تاريخية ثابتة تؤكد أن المغرب كان، ولا يزال، من أبرز الداعمين للرياضة العربية والإفريقية، وعلى رأسها الرياضة الجزائرية.
- واقعة 1958: عندما دفع المغرب ثمن موقفه
يعود أحد أبرز الشواهد على هذا الدعم إلى سنة 1958، في ذروة الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. حينها، اتخذ المغرب قرارًا سياديًا وشجاعًا بخوض مباراة ودية بين المنتخب المغربي ومنتخب جبهة التحرير الوطني الجزائري، وهو منتخب كان يمثل صوت الثورة الجزائرية في المحافل الرياضية الدولية، رغم عدم اعتراف الهيئات الرسمية به آنذاك.
هذا القرار لم يكن رياضيًا صرفًا، بل كان موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا واضحًا، استخدمت فيه الرياضة كوسيلة دعم لنضال شعب شقيق من أجل الاستقلال. غير أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) اعتبر هذه الخطوة خرقًا لقوانينه، ففرض عقوبة قاسية على المغرب تمثلت في إيقافه لمدة عام كامل.
- ثمن باهظ وإقصاء من أول مشاركة قارية
كانت تداعيات هذه العقوبة ثقيلة على الكرة المغربية. فقد حُرم المنتخب الوطني من المشاركة في كأس أمم إفريقيا 1959 التي احتضنتها مصر، وهي النسخة الأولى التي كان المغرب مؤهلاً لخوضها، بل ومرشحًا قويًا للمنافسة على اللقب بالنظر إلى مستواه آنذاك. هكذا، دفع المغرب ثمن موقفه الداعم للجزائر بإقصاء رياضي مؤلم، اختار فيه المبدأ على حساب المكاسب.
- الرياضة كجسر تضامن لا كساحة صراع
تكشف هذه الواقعة التاريخية أن العلاقة بين المغرب والجزائر في المجال الرياضي لم تكن يومًا مبنية على العداء أو الإقصاء، بل على التضامن المشترك في لحظات مفصلية. كما تبرز كيف أن الرياضة، التي تُستعمل اليوم أحيانًا كأداة للتأجيج الإعلامي، كانت في الأمس وسيلة نضال ووحدة بين الشعوب.
إن استحضار هذا المعطى لا يهدف إلى استدعاء الماضي بدافع التباهي، بل لتذكير الرأي العام بأن المنافسة الرياضية، مهما بلغت حدتها، يجب ألا تتحول إلى منصة لطمس الذاكرة أو تشويه المواقف التاريخية.
- قراءة هادئة للحاضر
إن خروج المنتخب الجزائري من منافسة قارية هو حدث رياضي طبيعي، يخضع لقوانين الأداء داخل الملعب، ولا يحتاج إلى تحميله دلالات سياسية أو إسقاطه على علاقات الدول. فالمغرب، الذي دفع سابقًا ثمن دعم الجزائر في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخها، لا يمكن اختزاله اليوم في خطاب تشفٍّ أو خصومة رياضية عابرة.
- خاتمة
يبقى التاريخ شاهدًا على أن المغرب اختار، في لحظة حاسمة، الوقوف إلى جانب الجزائر حتى ولو كان الثمن عقوبة دولية وإقصاءً قاريًا. وبين أمسٍ عوقب فيه على موقف مبدئي، ويومٍ تُستعمل فيه الرياضة أحيانًا كوقود للسجال الإعلامي، تظل الحقيقة ثابتة: الرياضة كانت وستبقى جسرًا للتضامن، لا أداة لتزوير الذاكرة أو تعميق الخلافات.
