تيزنيت.. مدينة لا تشبه غيرها من مدن الجوار بجهة سوس.. مدينة حية لا تتوقف عن احتضان النقاش، ويعرف الحوار العمومي فيها حرارة استثنائية.. هنا، لا يمر حدث دون نقاش، ولا تمر فكرة دون تمحيص.. إنها مدينة تتنفس المدنية، وتتفلسف في تفاصيلها اليومية، وتصر على أن تكون صوتا حاضرا في كل القضايا. هي مدينة مُلغِزة ورمال متحركة، كما قال لي ذات مرة مسؤول كبير بالمدينة. هي مدينة مُقاوِمة، تُقاوم بنية سرية تريد أن تتحكم في مصيرها بنية تجمع المال والسلطة والأعيان وكبار الموظفين.. بنية تتصرف باستعلاء وتسعى إلى التتحكم في كل خيوط اللعبة والمصالح والامتيازات.
لكن الغريب والمُحير أن هذا المناخ المدني الخصب، وهذا التوهج الذي لا يخبو، يأخذ منحى آخر فجأة حين يحين موعد الانتخابات التشريعية. فبدلا من أن يعكس الزمن الانتخابي ذلك الحراك السياسي والمدني، نجد أنفسنا أمام مناخ انتخابي رمادي، بل ومتناقض تماما مع روح المدينة. إنها مفارقة صارخة، مدينة تنبض بالنقاش العمومي طيلة أيام السنة، لكنها تخفت وتتلاشى حين يتعلق الأمر بالاستحقاق الانتخابي..
في الزمن الانتخابي الراهن بالمدينة، نناقش حضور تاجر ذهب لا أحد يعرف مساره وتاريخه وكيف برز في المشهد، وتُسلَّط الأضواء على رجل أعمال ويُسأل لماذا لا يتكلم؟ وكأن الكلام وحده يكفي.. ويترقب البعض اتجاه بوصلة الأعيان.. بينما يغيب تماما أي حضور لبروفايلات سياسية كبيرة ومقنعة بأفكار ومرجعيات واضحة. فالمشهد الانتخابي يخلو من الوجوه التي تحمل مشاريع فكرية وسياسية طموحة، ويحل محلها حضور تجاري وبورصوي يُحوِّل الانتخابات إلى سوق للمزايدات، لا إلى لحظة تدافع برامج واختيارات مصيرية.
أما الإعلام الاعلامي بمختلف تعبيراته، فبدوره يضخم في متابعة أخبار أشخاص بعينهم في مشاهد تبدو تافهة، ويُقدِّم صورة مبتذلة عن الانتخابات، كأننا في سوق أو بورصة أو بالأصح “جوطية” في حي شعبي، لا في لحظة تاريخية تتدافع فيها الرؤى وتتنافس البرامج ويُختار المستقبل. هذا الأداء الإعلامي المبتذل يساهم في تغييب القضايا الجوهرية، ويُعمِّق الانطباع بأن الانتخابات مجرد حدث استهلاكي عابر، وفرجة في لعبة تيرسي لا محطة فارقة في مسار المدينة والبلاد.
ما نلمسه في الشارع هو واقع متناقض، مدينة تتوهج بالنقاش في كل المجالات، مدينة تُقاوم.. لكنها تكتفي بالصمت واللامبالاة حين يحين موعد الاقتراع. إنها أزمة ثقة عميقة تجعل النخب تعزل نفسها عن العملية الانتخابية، وتترك الساحة لمنطق المال والقبيلة والأعيان والسطحية.
الأخطر من ذلك هو ذلك التواطؤ المريب مع المال في الانتخابات، حيث أصبح التمويل غير المشروع ظاهرة متداولة بل ومُتطَبَّع معها، وكأنها أمر عادي لا يستدعي الاستنكار. هذا التطبيع مع انزلاقات المال الانتخابي يُحوِّل المنافسة السياسية إلى سوق للمزايدات المالية، ويُجرِّد العملية الانتخابية من أي معنى ديمقراطي حقيقي.
ففي غياب الرقابة الفعلية والمحاسبة الجادة، يصبح المال هو الفيصل، وتتحول الأصوات إلى سلع تُباع وتُشترى قبل الانتخابات تحت غطاء جمعوي أو إحساني، وتتحول البرامج الانتخابية إلى كلمات لا قيمة لها في مواجهة الإغراءات المادية.
ما يثير القلق حقا هو غياب أي رهان جدي على منتخبين يمثلون الطبقة الوسطى، أو يحملون مستوى ثقافيا ومرجعية فكرية تؤهلهم ليكونوا نوابا حقيقيين. فالمشهد الانتخابي يخلو تماما من تسويق سياسي وإعلامي للكفاءات التي يمكن أن تمثل نقلة نوعية في العمل البرلماني، إلى درجة أنني لا أخفي تخوفي من أن تفرز الانتخابات برلمانيين لا نجد لهم حضورا ولا أثرا ولا ركزا ولا حتى توقيعا على سؤال كتابي بسيط، كما عهدنا مع الراحلة خالدة الذكر نزيهة أباكريم أو خديجة أروهال.
لا شيء يوحي بأننا أمام انتخابات بحس مديني حقيقي. فالمشهد السياسي في تيزنيت يغرق في ترييف وبدونة مقلقين، حين تحضر الاختيارات القبلية والمناطقية والمال كمعيار أساسي للاختيار، ويتراجع البعد السياسي لصالح الولاءات الضيقة.
تيزنيت لا تستحق هذا المزاج السياسي المتدني. فهذه المدينة أفرزت ديناميات اجتماعية وجمعوية وسياسية، وسجلت حضورها في لحظات فارقة في سنوات النضال الديمقراطي، ولا تستحق هذا المشهد البائس.
الطبقة الوسطى، والمثقفون، والواعون برهانات الديمقراطية، لا يجب أن يقفوا موقف المتفرج في هذا الترييف والبدونة للعملية الانتخابية، ولا يجب أن يسمحوا بإغراقها في طقوس تقليدية بالية تعيد إنتاج منطق الأعيان والمال والقبيلة.
لقد آن الأوان لاستعادة الانتخابات من قبضة المنطق القبلي والمالي، وإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة والبرامج الجادة. إنها مسؤولية الجميع.. المثقفين، النخب، الإعلام، المجتمع المدني، والمواطنين، للعمل معا من أجل انتخابات تعكس حقيقة تيزنيت.
فالرهان الحقيقي ليس على من سيفوز في الانتخابات، بل على ما إذا كانت هذه الانتخابات ستكون خطوة إلى الأمام في مسار التنمية والديمقراطية، وتُفرز نخبا حقيقية قادرة على تمثيل المدينة، أم ستظل مجرد طقس تقليدي يكرس واقعا سياسيا لا يليق بتاريخ المدينة ولا بطموحات أبنائها.
لا أخفي أنني متشائم، وأننا مقبلون على صناديق اقتراع مخيبة للآمال..
سعيد رحم.

