المغرب و عمقه الإفريقي: ما وراء كرة القدم… تاريخ وهوية ومصير مشترك

أكادير الرياضي

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

ليست علاقة المغرب بإفريقيا جنوب الصحراء علاقة ظرفية تحكمها الانفعالات أو نتائج مباريات كرة القدم، بل هي علاقة تاريخية عميقة، متجذّرة في الهوية، ومؤطَّرة بمنطق حضاري وإنساني سابق على الدولة الحديثة وتقلبات السياسات العابرة. ومع كل حدث رياضي كبير، تطفو على السطح محاولات سطحية لاختزال هذه العلاقة المركبة في تنافس كروي ضيق أو شحن عاطفي مؤقت، متجاهلة قرونًا من التفاعل الروحي والثقافي والاقتصادي الذي ربط المغرب بعمقه الإفريقي.
إن هذا النقاش، في جوهره، موجَّه بالقدر نفسه إلى أشقائنا في إفريقيا جنوب الصحراء، شعوبًا ونخبًا ورأيًا عامًا، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن ما يجمعنا أعمق وأرسخ من أن تهزّه لحظة انفعال أو سوء فهم عابر. فإفريقيا، بتعدّدها الحضاري والثقافي، لم تكن يومًا فضاءً للتنافر، بل مجالًا طبيعيًا للأخوّة والتكامل والمصير المشترك.
لقد مثّلت إفريقيا، عبر التاريخ، امتدادًا حضاريًا وروحيًا طبيعيًا للمغرب. فمنذ القرون الأولى للإسلام، اضطلع المغاربة بأدوار مركزية في ربط شمال القارة بجنوبها، عبر القوافل التجارية العابرة للصحراء، والطرق الصوفية، وحركة العلماء والفقهاء، الذين نشروا نموذجًا إسلاميًا وسطيًا قائمًا على الاعتدال والتسامح والتعايش. ولم تكن تلك الروابط قائمة على منطق الهيمنة أو الاستغلال، بل على التبادل الإنساني والأخوّة الدينية، وهو ما يفسّر العمق الوجداني الذي ما تزال الذاكرة الإفريقية تحتفظ به تجاه المغرب.
ومن هذا المنطلق، يصبح من العبث السياسي والخطأ الأخلاقي الفادح السماح بتحويل التنافس الرياضي الذي يفترض أن يكون مجالًا للاحتفاء والالتقاء إلى أداة لبث الكراهية أو تأجيج النزعات العدائية بين شعوب إفريقية شقيقة. فالمباريات تُكسب وتُخسر، أما العلاقات بين الدول والشعوب فتبنى على التراكم التاريخي، وتُصان بالحكمة وضبط النفس ووعي الرأي العام.
وقد أثبت المغرب، في أكثر من محطة، أنه يتعامل مع إفريقيا باعتبارها شريكًا استراتيجيًا لا مجالًا للتوظيف الظرفي أو المزايدة الخطابية. ويكفي التذكير بنجاحه في تنظيم تظاهرات قارية كبرى، وفي مقدمتها كأس إفريقيا، بتنظيم احترافي شهد له المتابعون، وقدّم نموذجًا إفريقيًا قادرًا على احتضان الأحداث الكبرى وفق أعلى المعايير، بعيدًا عن الصور النمطية البالية التي طالما وُصمت بها القارة.
اقتصاديًا، لم يكتفِ المغرب بخطاب التضامن، بل ترجم توجهه الإفريقي إلى استثمارات ملموسة وشراكات تنموية حقيقية. فقد أضحى أحد أبرز المستثمرين الأفارقة في عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في قطاعات استراتيجية كالأبناك، والفلاحة، والاتصالات، والبنيات التحتية، ضمن رؤية تقوم على منطق الرابح الرابح، في سياق قاري يشهد تنافسًا دوليًا محتدمًا لا يخلو، في كثير من الأحيان، من أشكال الهيمنة المقنّعة.
وعلى المستوى السياسي والدبلوماسي، جعل جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، من إفريقيا أولوية استراتيجية ثابتة لا تخضع لتقلبات الظرف الدولي ولا لحسابات آنية. وقد تجسّد ذلك في الجولات الملكية المتعددة، وفي عودة المغرب إلى عمقه المؤسساتي داخل الاتحاد الإفريقي، وفي إطلاق مبادرات قارية كبرى قائمة على التعاون جنوب–جنوب، واحترام سيادة الدول، وخدمة الاستقرار والتنمية المشتركة.
وإلى المغاربة الأحرار، داخل الوطن وخارجه، فإن المسؤولية اليوم تفرض قدرًا عاليًا من الوعي وعدم الانجرار وراء أي محاولات لاستغلال مباريات كرة القدم أو المناسبات الرياضية لبث الفتنة وزرع العداوة بين شعوب إفريقية شقيقة. فالمغربي، بتاريخ دولته وعمق حضارته، أرفع من ردود الفعل الانفعالية، وأوعى من أن يكون وقودًا لصراعات وهمية لا تخدم لا المغرب ولا إفريقيا. وقدوتنا في ذلك هي جلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، بما يجسده من حكمة وتسامح وبعد نظر، جعل من الأخوّة الإفريقية خيارًا استراتيجيًا ثابتًا لا تحكمه نتائج المباريات ولا ضغوط اللحظة. فالرياضة تبقى فضاءً للتنافس الشريف والفرح الجماعي، لا ذريعة للكراهية أو الإساءة.
وإذ نخاطب أشقاءنا في إفريقيا جنوب الصحراء، فإن الرهان الحقيقي اليوم هو تحصين هذه الروابط التاريخية من خطابات الانفعال والتحريض، أيا كان مصدرها. فإضعاف الثقة بين شعوب القارة لا يخدم سوى من لا يريد لإفريقيا أن تنهض بإرادتها، ولا أن تتكامل بمواردها، ولا أن تتكلم بصوتها المستقل.
إن المغرب أكبر من مباراة كرة قدم، وإفريقيا أوسع من لحظة توتر عابرة. ومصير شعوبنا مترابط تاريخيًا وموضوعيًا واستراتيجيًا. والوفاء لهذا المصير المشترك لا يتحقق بالشعارات، بل بترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل، وتغليب منطق الأخوّة، واستحضار أن ما يجمعنا في هذه القارة الغنية والمتنوعة أقوى وأبقى من كل ما قد يفرّقنا.
في زمن التحولات الكبرى، يظل الرهان الحقيقي هو الوعي: وعي الشعوب، ووعي الإعلام، ووعي النخب، بأن إفريقيا ليست ساحة صراع، بل فضاء شراكة، وأن المغرب تاريخيًا وحضاريًا جزء أصيل من هذا الفضاء، لا يمكن فصله عنه، ولا اختزاله في تسعين دقيقة من كرة القدم.